الثلاثاء، 11 نوفمبر 2008

الاستشراق غزو فكري استعماري لتدمير الحضارة الإسلامية "1"

الاستشراق والتبشير وجهان لعملة واحدة لوقف انتشار الإسلام وحجب حقائقه
بقلم / يوسف الطويل
جريدة الوحدة الاماراتية 21/11/ 1987 – 31/12/1987
لجأ العالم الغربي إلى الاستعمار الخفي غير المباشر لغزو العالم الإسلامي وذلك بعد فشل وسائله التقليدية في استخدام الغزو العسكري للسيطرة على الشعوب الإسلامية وقد وجد الاستعمار في المستشرقين وسيلتهم القوية للسيطرة على المسلمين عن طريق دينهم وثقافتهم وأفكارهم . وقد عملوا على تحقيق هذه الأهداف بدراسة علوم اللغة العربية والإسلامية لمعرفة اتجاهات المسلمين في مختلف الحياة .
ونظرا لأن ظهور حركة الاستشراق له صلة وثيقة بما يحدث اليوم من غزو فكري وتبشيري لكل المسلمين في مختلف أرجاء المعمورة ينبغي أن نتعرف على حركة الاستشراق وأصولها التاريخية الأولى وما هي العوامل التي أدت إلى ظهورها وتأثيرها على المسلمين سلبا وايجابا .
الاستشراق نشأته وأهدافه
الاستشراق هو اتجاه الغربيين لدراسة العلوم الإسلامية واللغة العربية بالدراسة والبحث أو هو الدراسات الغربية المتعلقة بالعالم الإسلامي في لغاته وآدابه وتاريخه وعقائده وحضارية بوجه عام . والمستشرق هو العالم الذي تمكن من هذه الدراسات وقام بوضع مؤلفات أو بحوث أو قام بتحقيق بعض الكتب والمخطوطات التي تتعلق العالم الإسلامي .
ولو حاولنا أن نتعرف على البدايات الأولى لظهور الاستشراق وبداية اهتمام الغرب بالشرق الإسلامي فإننا سنجد أن الانتشار السريع للإسلام في المشرق والمغرب، قد لفت بقوة أنظار الغربيين بوجه عام ورجال اللاهوت بوجه خاص لهذا الدين الجديد . ومن هنا بدأ اهتمام رجال اللاهوت بالاسلام ودراسته ليس من أجل اعتناقه ولكن من أجل حماية اخوانهم المسيحيين من خطر انتشاره بينهم .
وقد كان لازدهار الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى وخاصة في الأندلس ووقوف كثير من الأوروبيين للدراسة فيها، واختلاطهم بالمسلمين في أماكن كثيرة أثر في زيادة الاهتمام الأوروبي بالاسلام. ولكن ظهور حركة الاستشراق بأهدافها ونشاطها يرجع إلى الحروب الصليبية التي لم تحقق للذين قاموا بها أهدافهم، فرأى هؤلاء بعد ان فشل الغزو العسكرى فى تحقيق اهدافهم، أن يلجأوا أن يلجأوا إلى الغزو الفكري لعلهم يستطيعون عن طريقه أن ينالوا من المسلمين ومن ثقافتهم وفكرهم ودينهم وقد عبر كثير من الكتاب الأوروبيين عن دور الحروب الصليبية في نشأة الاستشراق فيقول أمرتون:
أن حياة أوروبا أغتنت خلال الحروب الصليبية لأنها اقتبست من حياة المسلمين ألونا من الفكر والثقافة مما جعل أفق الأوروبين يتسع بسبب ارتباطهم طيلة عدة سنين ببلاد الشرق ذات الالهام والأساطير وكان ذلك دافعا للكثيرين من الغربيين ليواصلوا صلتهم بالشرق عن طريق العلم والمعرفة حتى أصبحوا مستشرقين .
ويقول أومان: أن الحروب الصليبية وضعت نواة الاستشراق إذا اتجه الرهبان للدراسة اللغة العربية والفكر الإسلامي لمعرفة اتجاهات المسلمين في مختلف الشؤون وقد أسست كلية للرهبان في ميراما لدراسة اللغة والعلوم الإسلامية كما أنشئت الكراسي للغات الشرقية في باريس ولوفان .
طريق للسيطرة
وهكذا يتضح لنا كيف أن الغرب لجأ إلى الاستشراق ودراسة الحضارة الإسلامية بشتى جوانبها كطريق آخر للسيطرة على العالم الإسلامي بعد فشلهم في السيطرة عليه عن طريق الغزو العسكري . ولهذا يمكن القول بأن تاريخ الاستشراق في مراحله الأولى هو تاريخ للصراع بين العالم النصراني الغربي في القرون الوسطى والشرق الإسلامي على الصعيدين الديني والايديولوجي فقد كان الإسلام كما يقول سادرن: يمثل مشكلة بعيدة المدى بالنسبة للعالم النصراني في أوروبا على المستويات كافة.
فإذا كانت الحروب الصليبية تمثل الخلفية الدينية للصراع الحضاري بين العالم الإسلامي والعالم الغربي فإن الاستشراق يمثل الخلفية الفكرية لهذا الصراع . فالاستشراق يشكل الجذور الحقيقية التي كانت ولا تزال تقدم المدد والعون للمبشرين والمستعمرين في غزوهم للعالم الإسلامي يستقون منه معلوماتهم عن العالم الإسلامي عقيدته وتاريخه وفكره وعاداته وتقاليده وجغرافيته ونظم الحكم فيه . ويكفي أن نعرف أيضا أن الأوروبيين وكثير من الشرقيين لا يزالون يستقون معلوماتهم عن الإسلام والحضارة الإسلامية من خلال كتابات المستشرقين أو من أثر عليهم المستشرقين . فقد كان للاستشراق أكبر الأثر في صياغة التصورات الأوروبية عن الإسلام والحضارة الإسلامية على مدى قرون طويلة .
دراسة القرآن
قام المستشرقون بدراسة القرآن والسنة النبوية والسيرة النبوية وكتب التراث الإسلامي دراسة وافية وأخذوا يثيرون مشكلات وقضايا وشبهات حول الإسلام والقرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم والفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية كما قاموا بتشويه التاريخ والفكر الإسلامي ودسوا فيه كثير من الأباطيل الزائفة . وقاموا بانشاء اقسام للدراسات الشرقية في الجامعات الأوروبية حيث قاموا من خلالها بإثارة هذه القضايا وتلقينها للدراسين في هذه الجامعات سواء من الأوروبيين أو المسلمين. وفي بداية نهوض العالم الإسلامي وفد كثير من الدارسين المسلمين الى هذه الجامعات والمعاهد لنيل الشهادات العالمية وذلك لتوفر الامكانيات العلمية اللازمة للدراسة والبحث في هذه الجامعات والمعاهد وخاصة المخطوطات وكتب التراث النادرة التي قام المستشرقون بجمعها بعد حصولهم عليها من العالم الإسلامي .
وقد شجع الغرب الدارسين المسلمين للدراسة في هذه الجامعات على أيدي المستشرقين لكي يخلقوا جيلا من أبناء المسلمين المتشككين في دينهم وحضارتهم وتاريخهم والمفتونين بالفكر والحضارة الغربية لكي يقوم هؤلاء بترويج أفكار وآراء المستشرقين عن الإسلام والحضارة الإسلامية من خلال توليهم كثير من المناصب العلمية بالتدريس الجامعي أو العمل في أجهزة الاعلام المختلفة .
وفعلا استطاع الغرب أن يخلق هذا الجيل من أبناء المسلمين المتشككين في دينهم وحضارتهم واللذين كانوا بمثابة أبواق تردد أراء المستشرقين وشبهاتهم عن الإسلام والحضارة الإسلامية هذا بالإضافة إلى اعجابهم الشديد بالحضارة الغربية في شتى جوانبها والدعوة إلى تقليد الغرب في كل شيء إذا أردنا أن ننهض ونساير العصر ودعا الآخرون إلى استبدال الحروف العربية بأحرف لاتينية.
وللأسف فإن كثيرا من هؤلاء تولوا مناصب قيادية في عالمنا الإسلامي ولا يزالون فلعبوا دورا كبيرا وخطيرا في تشكيل الفكر الإسلامي كما يريد الغرب ويشتهي فكان خطرهم أعظم وأشد من خطر المستشرقين على العالم الإسلامي لأن المسلم عندما يقرأ لأجنبي فإنه يأخذ حذره منه ويتفحص آراءه بدقه، بعكس ما يفعله مع المسلم لأنه يأخذ كل ما يقوله بحسن نية.
ومن الشبهات والقضايا التي أثارها المستشرقون حول الإسلام والحضارة الإسلامية :
1- قولهم أن القرآن من تأليف سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وليس من عند الله
2- قولهم أن ضعف المسلمين سببه العقائد الإسلامية كالقضاء والقدر والتوكل .
3- ادعائهم أن الإسلام انتشر بالقوة وعب السيف
4- قولهم أن الإسلام دمر نظام الأسرة بواسطة الطلاق وتعدد الزوجات
5- قيامهم بالتشكيك بصحة الحديث النبوي وترويجهم لبعض الأحاديث الضعيفة التي تخدم مخططاتهم
6- قيامهم بخلق بعض الفرق التي تعادي الإسلام والترويج لها كالبهائية والقاديانية
7- محاولتهم التقليل من شأن الحضارة الإٍسلامية واسهامها في الحضارة الإنسانية وسخريتهم من العقلية العربية والقول بأن المسلمين لم يكونوا إلا نقلة للحضارة اليونانية والرومانية وليس لها أي ابداع يذكر لأن الخلق والابداع ليس من طبيعة المسلمين
8- تشويههم للتاريخ الإسلامي والتركيز على الخلافات الإسلامية ونشرها وكأن التاريخ الإسلامي ما هو إلا تاريخ للخلافات والفتن مع اهمالهم ذكر الجوانب المضيئة من التاريخ الإسلامي
9- اضعاف روح الأخاء الإسلامي وذلك عن طريق احياء القوميات القديمة والدعوة لها، واثارتهم التعرات الطائفية واقامتهم الحواجز المصطنعة بين البلاد الإٍسلامية
10- قولهم أن الإسلام يعارض العلم ولا يدعو له ويحد من النظر العقلي والبحث الحر
11- التشكيك في قدرة اللغة العربية على مسايرة التقدم العلمي لتظل الأمة الإسلامية عالة على المصطلحات الغربية
12- التشكيك في قيمة الفقه الإسلامي والقول أنه منحول من الفقة الروماني
13- هذا بالإضافة إلى شبهات وقضايا أخرى كثيرة أثارها المستشرقون حول الإٍسلام والحضارة الإسلامية ويجب أن نوضح أن كل هذه الشبهات والقضايا وغيرها والتي أثارها المستشرقون حول الإسلام والحضارة الإسلامية قد قام بالرد عليها علماء ومفكرون مسلمون اجلاء وبينو تهافتها وبطلانها وزيفها وزيف مروجيها وسوء نيتهم بما يضمرون من حقد للأمة الإسلامية فردوا عليها بالحجة بأسلوب علمي .

ليست هناك تعليقات: