الجمعة، 18 يوليو 2008

تطور الوسائل السلمية في القانون الدولي المعاصر

تطور الوسائل السلمية في القانون الدولي المعاصر




يوسف العاصي الطويل

مقدمه
بالرغم من ان التاريخ يعطينا صوره قاتمه عن الصراعات والحروب التى خاضها الانسان ضد اخيه الانسان، الا ان ذلك لا يعنى ان الحرب كانت الوسيله الوحيدة لفض المنازعات بين الدول والشعوب، حيث عرفت الانسانية عبر تاريخها الطويل وسائل عديدة لتسوية المنازعات بالطرق السلمية، حيث تجلى ذلك في حضارات الشرق القديمه مصر والعراق، وجددت العديد من الوسائل التى سعت من خلالها الى تفادي الحرب وتسوية الخلافات عن طريق المفاوضات وعقد الاتفاقيات.
كما عرفت كلا من الحضارة اليونانية والرومانية هذه الوسائل ولكن ذلك كان في اطار العلاقات بين الداخلية، ولم يمتد اثرها لعلاقاتها مع الشعوب والحضارات الاخرى بسبب نظره عنصرية قصرت مفهوم المواطنه فقط على اليونانيين والرومان، ولهذا كانت علاقاتها الخارجية تقوم على اساس مبدأ الحرب لحل النزاعات. ولكن ونتيجه لظهور الديانه المسيحية فقد حدث تغيير طفيف في هذه العلاقات وظهرت فكرة الحرب العادلة لدى الشعوب المسيحية، حيث كان ظهور الاسلام بقوه على الساحة الدولية بمبادئه السمحه وانتشاره الكبير بسرعه في ترسيخ مبادئ جديده في العلاقات الدولية وقوانين الحرب والسلام، وفض المنازعات بالطرق السلمية، حيث انتقلت هذه المبادئ الى اوروبا وسعىالمفكرون الاوربيون الى وضع اسس جديده لتفادى الحروب المستمره التى شهدتها اوروبا في العصور الوسطى بسبب الصرعات المستمره، والتى شهدت زياده ملحوظه مع عصر النهضه وحركة الاصلاح الدينى التى افرزت حروب دينية طاحنه بين الشعوب الاوربية والتى استمرت 30 عاما، حيث انتهت بتوقيع اتفاقية واستفاليا عام 1647 والتى اسست لظهور ما يسمى التنظيم الدولى، حيث سعت الدول المنتصره فرض النظام في اوروبا من خلال التحالفات والمعاهدت والمؤتمرات والتى كان اهمها مؤتمر لاهاى الذى وضع الاساس القانوني لوسائل فض المنازعات بالطرق السلمية، حيث كانت القواعد التى ارساها هذا المؤتمر اساس للقواعد التى نادت بها عصبة الامم ثم الامم المتحدة ومعظم المنظات الدولية والاقليمية.
وفي معالجتنا لتطور الوسائل السلمية لفض المنازعات في القانون الدولى قسمنا الدراساة الى خمسة فصول تناولنا في الفصل الاول تاريخ تطور الوسائل السلمية منذ العصور القديمة وحتى الان، اما الفصل الثاني فعالجنا فية الصراع الدولى ووسائل ادارة الازمات المختلفه، اما في الفصل الثالث فخصصناه للوسائل السلمية لفض المنازعات في القانون الدولي المعاصر من دبلوماسية وسياسية وقضائية وزجرية وتحدثنا بالتفصيل عن المفاوضه والوساطه والمساعى الحمية والتوفيق والتحقيق والتحكيم.
اما الفصل الرابع فخصصناه للحديث عن دور المنظمات الدولية فى حل النزاعات بالطرق السلمية وتحدثنا بالتفصيل عن هيئة الامم المتحدة وبالذات مجلس الامن والجمعية العامة ودورهما في حل النزاعات بالطرق السلمية. اما الفصل الخامس والاخير فتكلمنا عن دور المنظمات الاقليمية في حل النزاعات واخترنا جامعة الدول العربية كمثال على ذلك.
وفي النهاية ومن خلال عرضنا للوسئل السلمية وتطورها عير التاريخ وحتى عصرنا الحاضر يمكن القول ان هذه الوسائل شهدت تطورا كبيرا، ولكن في نفس الوقت شهدت فيه الحروب وادواتها تطور اكبر، بل انه اصبح لاول مره بامكان دوله معينه من الدول النووية ان تضع حدا للحياة البشرية على كوكب الارض نتيجه لحدوث صراع معين او بسبب وجود زعيم ديكتاتوري مجنون او بسبب خلل بشرى يمكن ان يقع في ايه لحظه.
من هذا الواقع المخيف فانه مطلوب من المجتمع الدولى وعقلاء هذا العالم ان يبدلوا جهود كبيره لتلافي مثل هذا اليوم الذي يمكن ان يقع في ايه لحظه، وبالتالى فانه لم يعد المهم تطبيق هذه الوسائل بل لا بد من ابتكار وسائل جديده تتماشى مع حجم التحديات التى تواجهها الانسانية.


الفصل الاول
تطور الوسائل السلمية عبر التاريخ
لم تكن الحرب، وليست الان، الطريقة الوحيدة لمعالجة النزاعات بين الدول، فقد عرفت الانسانية وسائل يمكن ان نعدها سلمية منذ اعماق التاريخ حتى اليوم، وقد اعطت ثمارا لا سيما عندما كانت النوايا حسنة. وقد تمسك واضعو ميثاق الامم المتحدة بهذه الوسائل السلمية.
العصور القديمة : ان الاتصال بين الشعوب القديمة لم يكن قاصرا على ميدان القتال والغزو، بل كانت هناك بين الكثير منها علاقات سلمية ويحتوى التاريخ اكثر من دليل على قيام علاقات دولية في العصور القديمة وعلى وجود بعض قواعد كانت تخضع لها هذه العلاقات. وقد سجل المؤرخون بعض امثلة لمعاهدات تحالف وصداقة عقدت وقتئد، كما سجلوا الكثير من معاهدات الصلح التى انهت الحروب العديدة التى كانت تلك العصور مسرحاً لها. فهناك معاهدة تحالف ابرمت في القرن الثالث عشر قبل الميلاد بين رمسيس الثاني فرعون مصر وخاتيسار امير الحيتيين، ومعاهدة صداقة وعدم اعتداء بين بعض بلدان الشرق القديمة .
وتفيد بعض الآثار التى عثر عليها حديثا في منطقة الكلدة ان هذه الشعوب كانت تلجأ الى الوساطة والتحكيم كوسيلة لحسم المنازعات بينها سلمياً. وبالرغم من كل ذلك الا ان العلاقات الدولية في العصور القديمة كانت ضيقة ومحدودة ولا تتعدى الشعوب المتجاورة، ولم تكن مستقرة منظمة بحيث يمكن اتباع تطورها
عصر الاغريق : تميزت العلاقات في زمن الاغريق (اليونان) بصورتين هما: العلاقات القائمة بين المدن اليونانية نفسها، والعلاقات بين اليونان والشعوب الاخرى، فقد كانت بلاد اليونان تتشكل من مدن - دول، وكل منها تتمتع باستقلالها، وهذا ما ادى الى قيام بعض القواعد التي تنظم علاقات هذه المدن زمني الحرب والسلم، كاعلان الحرب قبل بدئها وتبادل الأسرى وحرمة اللجوء الى اماكن العبادة. اما علاقة اليونانيين بالشعوب الاخرى فكانت تقوم على العداء وحب السيطرة انطلاقاً من نظرة الاستعلاء، والاعتقاد بتفوق حضارتهم على بقية الشعوب، فانطلقوا للسيطرة على العالم في زمن الاسكندر الكبير وفرضوا قانونهم الخاص على هذه الشعوب.
الامبراطورية الرومانية
كانت روما في نشأتها_ كما اليونان- دولة مدينة ولكنها كانت مهددة تهديداً مستمراً بغزو الدول المجاورة، فلم تجد بداً من انتهاج سياسة القوة ودأبت على الغزو والفتح . وهنا لا يختلف الرومان عن الاغريق في نظرتهم الى ماعداهم من الشعوب، فلم تكن لهذه الشعوب اي حقوق قبلهم يتعين عليهم احترامها، وكانت صلاتهم بها في الغالب صلات عدائية وسلسة من الحروب اوحت بها سياسة روما العليا للسيطرة على العالم. وبالرغم من ذلك كانت لروما بعض عادات مرعية خاصة بالحرب غير انها لا تعدو مجرد اجراءات شكلية تهدف اسباغ طابعا شرعيا على الحرب. كذلك ابرم الرومان كثير من معاهدات الصلح مع الشعوب المغلوبه، ولكنها كانت ارادة الغالب يمليها على المغلوب ، حيث كان من دأب السياسية الرومانية العمل على سحق كل شعور قومي مشترك في منبته، اخذاً بمبدأ "فرق تس"، ولم تسمح بنشوء قوميات محلية لانها لم تكن تستطيع اعطائها نصيباً في الحكم الا اذا اخذت بالتمثيل النيابي، وهذا ما ترفضه .
الاسلام
جاء الاسلام والعرب تسودهم الفوضى وتجري بين قبائلهم حروب شعواء متصلة الحلقات ولاتفه الامور، فتضطرم الحروب ويعم الخراب والدمار شبه الجزيرة. ولم يكن هذا هو الحال في شبه الجزيرة القريبة وحدها بل كان هو الشأن في الدول المحيطة بها في بلاد الفرس والروم وغيرها. فجاء الاسلام مؤكداً مبادئ الاخاء والمساواة على نحو فريد لم يشهده العالم من قبل، وقرر الاخوة التى لا تأبه لفروق الجنس او اللون او اللغة او الثروة، وكان تقرير المساواة من حيث المبدأ ومن حيث التطبيق هو الذي أذن للاسلام بالانتشار على مستوى عالمي بسرعة مذهلة، وجعل الناس في مختلف الشعوب تقدم عليه في طواعية واختيار، ونجح الاسلام في تأليف اجناس بشرية مختلفة في جبهة اسلامية واحدة اساسها المساواة . ومن هنا اختلف الفتح العربي تماماً عن الفتوحات الرومانية والمغلولية التى لم تهتم بانشاء حضارات راقية ثابته دائمة. بل ان المغول خربوا ودمروا كل الحضارات القائمة. بينما كان الفتح العربي يحمل رسالة حضارية، تدعو الى الرخاء والسلام في الاسرة البشرية .
ولما كان نشر الدعوة الاسلامية هو "الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم وهو الذي يحدد المكانة الحقيقية للسلم في نطاق هذه العلاقات، فإنه ينبني على ذلك حقيقة أساسية مفادها أن الأدوات التي يمكن للدولة الإسلامية أن تستعين بها في إدارة وتنظيم علاقتها مع الدول والجماعات غير الإسلامية في وقت السلم تتعدد وتتنوع لتشمل: التفاوض والتعاهد (إبرام العاهدات لتنظيم مسائل معينة مع الغير)، والتبادل الاقتصادي والتجاري، وتبادل الرسل والسفارات إلي غير ذلك من الوسائل والأدوات التي يستعان بها عموما لتصريف الشئون الخارجية وقت السلم
وقد مارس الرسول (ص) والخلفاء الراشدين كافة الادوات والوسائل السلمية مع خصومهم كالمفاوضة، والتحكيم، ولمح الى قبوله المصالحة. فقد كان الرسول(ص) يامر قادته الا يباشروا حربا قبل طرح تخيير الخصم بين قبول شروط معينة وبين ‏الحرب . اما التحكيم فقد اشتهرت قضية التحكيم التي قام بها ابو موسى الاشعري، بين سيدنا على ومعاوية، اما المصالحة فقد جاءت الدعوة اليها بنص القرآن الكريم (وان طائفتان من‏المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفي الى امر اللّه فان فاءت‏فاصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان اللّه يحب المقسطين).
العصور الوسطى
تمتد هذه الحقبة من سقوط الامبراطورية الرومانية عام 476م وحتى معاهدة وستفاليا عام 1648، وفيها استمرت حياة الامم الاوربية تدور في حلقة مفرغة من الحروب، وظلت فكرة الحق للأقوى تسيطر على علاقات الدول ببعضها. ولكن كان لانتشار المسيحية ودعوتها الى التآخي والمساواة بين الشعوب والأفراد ونبذ الحروب دور في بروز فكرة الحرب العادلة التي كانت ترمي الى تقييد اللجوء الى الحرب، وتلطيف عملياتها، فلم تعد مباحة الا عند الضرورة ولسبب عادل، وبعد استنفار الوسائل السلمية لرفع الظلم. كذلك تمّ وضع نظامين مهمين هما "السلام الالهي" ويقضي بحياد الأماكن المقدسة، ورجال الدين، والاطفال، والعجزة، و"الهدنة الالهية" التي تمنع الحرب في أيام محددة من الاسبوع كالسبت والاثنين وأيام الأعياد. وبهذا كان لانتشار المسيحية تأثير في التوفيق بين دول اوروبا وقيام أسرة دولية مسيحية تخضع لسلطة البابا، وقد ساعد على توطيد هذه الفكرة ظهور الاسلام وتهديده بانتزاع السيادة على العالم من المسيحية.
فقد أدى انتشار الاسلام ووصوله الى جنوبي فرنسا الى تكاتف الامم الاوروبية تحت لواء البابا الروحي لدفع هذا الخطر، حيث اصطدمت الكتلتان في حروب متعددة ادت الى انقسام العالم الى قسمين، ولكن ذلك لم يمنع الطرفين من اكتشاف كل منهما للآخر، واكتشاف المبادئ الانسانية التي تقوم عليها كل من الديانتين، كما دلت الحروب بينهما على المبادئ التي تحكم هذه الحروب وروح التسامح والعدالة الاسلامية، ومعاملة الاسرى، والأطفال، والنساء، والعجزة،، واللجوء الى السلم، وعدم شنّ الحرب إلا دفاعاً عن النفس، وعن ديار المسلمين .
العصر الحديث: ادى انهيار الامبراطورية الرومانية الغربية الى انهيار جهازها السياسي، واستحالة قيام الوحدة في اوروبا مره اخرى، حيث ساد النظام الاقطاعي. ولما قامت حرب المائة عام بين فرنسا وانجلترا (1337-1453) ازدادت اواصر القومية بين رعايا هاتين الدولتين وازداد شعور كل شعب بكيانه القومي . ثم تلا ذلك عصر النهضة الذى كان من نتائجه سعي الدول الى تدعيم سيادتها عن طريق خلق سلطة مركزية قوية باى ثمن، كما جاء في كتاب الامير لميكافيلي الذى قرر فيه ان السياسة يجب ان لا تقيد نشاطها بأية اعتبارات خلقية حتى لا يؤدي هذا التقيد الى عرقلة اهداف الدولة . وجاءت حركة الاصلاح الديني في مستهل القرن السادس عشر لتعزز الملكية المطلقة، ولتقضي على ما تبقى من سلطة الكنيسة الكاثوليكية في روما، مما ادى الى زيادة التجزئة وبروز الدول القومية نتيجة للحروب الدينية التى قسمت اوروبا الى دول مذهبية (كاثوليكية وبروتستانتية وارثوذكسية)، وهذا ادى الى مزيد من الحروب، و تصادم الفرقاء في حرب ضروس عمت كل اوروبا، استمرت ثلاثين عاماً، وعرفت بحرب "الثلاثين سنة" وانتهت بمعاهدة "وستفاليا" عام 1648، والتي شكلت اتجاهاً جديداً في العلاقات الدولية، وتأطيراً لنظرية الامن الجماعي الاوروبي، والتي استقت مبادئها من وحي الأديان وكتابات المفكرين، والفلاسفة الذين تأثروا بفلسفة اليونان المثالية خصوصاً افلاطون في كتاب "الجمهورية"، وتوماس مور في كتابه "اليوتوبيا" وغيرهما .
ظهور التنظيم الدولي:
كانت العلاقات في المجتمعات القديمة تقوم على أساس القوة لاستثمار الموارد، ولذلك كانت الحرب هي الوسيلة الأساسية أن لم تكن الوحيدة لحل المشاكل التي تواجهها المجتمعات وان الفصل للقوة والكلمة للمنتصر. وبذلك لايمكن تصور وجود تنظيم دولي او منظمات دولية تقوم بدورها بالرغم من عدم نفي وجود علاقات بين تلك المجتمعات فالحرب بذاتها هي نوع من أنواع العلاقات الدولية ألا أنها الصورة السلبية لها.
وامام التطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وبضغط الحاجة للأمن والسلام والاستقرار والتقدم ولاسباب أخرى بدأت الدعوات تتصاعد ومنذ القرن الرابع عشر لايجاد منظمات دولية تتسم بصفة الثبات والاستقرار لتنظيم العلاقات بين الدول، وطرحت المشاريع لذلك منها المشروع الذي طرحه المشرع الفرنسي (بيير دي بوا) سنة 1305 م ومشروع الوزير الفرنسي (سلي) 1603 م لانشاء جمهورية مسيحية كبرى تضم جميع شعوب أوروبا، ثم مشروع الأب (سان بيير) 1713 م المقدم الى مؤتمر (أوترخت) لانشاء عصبة أمم أوربية.
معاهدة وستفاليا 1648
لم يبدأ اهتمام الدول بتنظيم علاقاتها على اساس من القواعد القانونية الثابتة الا منذ ثلاثة قرون، اي في اواسط القرن السابع عشر على اثر الحروب والمنازعات الاوربية التى انتهت بابرا معاهدة وستفاليا 1648م. وتعتبر هذه المعاهدة فاتحة عهد جديد للعلاقات الدولية ، حيث وضعت هذه المعاهدة القواعد والأسس لقيام الامن الجماعي واتخذت العلاقات الدولية بعدها اتجاه التعاون والمشاركة بدلاً من السيطرة والاخضاع، وأهم ما اوجدته المعاهدة ما يأتي:
• اجتماع الدول لأول مرة للتشاور وحلّ مشاكلها على اساس المصلحة المشتركة.
• اقرار المساواة بين الدول المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية، والغاء سلطة البابا الدنيوية.
• ارساء العلاقات بين الدول على أساس ثابت بإقامة سفارات دائمة لديها.
• اعتمدت فكرة التوازن الدولي كأساس للحفاظ على السلم وردع المعتدي.
• التأسيس لفكرة تدوين القواعد القانونية والزاميتها .
وهكذا كانت هذه المعاهدة قمة التطورالسياسي والقانوني في ذلك الوقت حيث انها لم تتضمن فقط مبدأ الحرية الدينية ومساواة البروتستنت بالكاثوليك في الاجتماعات الدولية، بل تضمنت مبدأ أنشاء سفارات دائمة، وهذا يعبر عن حقيقة اساسية هي تضامن المصالح والتعاون الدولي من اجل هذه المصالح ورعايتها. غير ان مبدأ انشاء سفارات دائمة لم يكن عاما اذ كان الهدف من تقريره هو تطبيقه بين الدول الاوربية المسيحية وحدها. ومن هنا نلاحظ الصفة الجزئية أي غير الشاملة لهذه الدبلوماسية. والواقع ان تفسير ذلك يرجع الى الفكرة التي سادت العالم المسيحي في ذلك الوقت والتي كانت ترى ان الجماعة الدولية قاصرة على الدول المسيحية وحدها.
مؤتمرات وأنظمة دولية
ادى تعاظم قوة بعض دول اوروبا كفرنسا الى الاخلال بهذه المعاهدة فتكاتفت الدول الاوروبية، وتجمعت في حرب ضدها في عهد لويس الرابع عشر، انتهت بعقد معاهدة "أوترخت" عام 1713، والتي اكدت على مبادئ معاهدة "وستفاليا" بعد اعادة تنظيم اوروبا. وفي عام 1776 م تم اعلان استقلال الثلاثة عشر مستعمرة انجليزية في أمريكا الشمالية، وترتب على هذا الاعلان ظهور فكرة رضا الشعوب عن حكامها التى تضمنها الدستور الامريكي، ثم جاء اعلان حقوق الانسان والمواطن الصادر عن الثورة الفرنسية الذي تضمن مبدأ الديمقراطية في الحكم الداخلي ومبدأ حق الشعوب في اختيار حكوماتها. وفي نفس الفتره صدر تصريح عن الجمعية الوطنية الفرنسية في 19 نوفمبر 1792 ورد فيه مساعدة فرنسا لكل الشعوب التي تريد التحرر. وكان من شأن كل هذا بدأ انتشار الحروب في اوروبا في ذلك الوقت بسبب الحروب النابليونية التى عملت على الاخلال بميزان القوى في القارة. ولذلك تكتلت الدول الاوربية ضد فرنسا وتمكنت في النهـاية من هزيمة نابليون بونابورت 1814 م.
مؤتمر فيينا 1815: كان همّ اعضاء المؤتمر اعادة التوازن الدولي في اوروبا على اساس إرجاع الملوك، الذين قضى بونابرت على سلطانهم، الى عروشهم، حيث عكس مؤتمر فيينا إرادة الدول المنتصرة في الحرب ضد نابليون (وهي إنكلترا والنمسا وبروسيا وروسيا) من دون الالتفات الى رغبات الشعوب ورأيها، والتي أثرت فيها مبادئ الثورة الفرنسية وأفكارها، ولذلك عقدت هذه الدول في ما بينها "التحالف المقدس" لقمع أي ثورة تهدد البيوت المالكة. وفي عام 1818 عقدت معاهدة "إكس لاشابل" بين الدول المذكورة بعد انضمام ملك فرنسا (لويس 18)، فيما نصبت هذه الدول نفسها قيمة على السياسة الأوروبية وأخذت حق التدخل في جميع المنازعات الأوروبية والدفاع عن نظام الملكيّة في كل مكان تراه مهدداً.
وقد امتد نشاط هذه الدول الاربعة خارج اوربا حيث قامت بتفتيت وتحطيم الدولة التركية خلال الفترة 1825 _ 1918، حيث تم دعوة تركيا لمؤتمر باريس 1856 م وهو اول مؤتمر دولي يسمح لتركيا بحضوره، حيث اتفقت هذه الدول على مساندة اليونانيين والصرب ورومانيا وغيرها من الدول ضد تركيا، وتعددت المؤتمرات في باريس وبرلين وكان اخرها مؤتمر لندن 1912-1913 بعد الحرب البلقانية الثانية.
وعندما حاولت الدول الاوروبية التدخل في الأراضي الأميركية لصالح اسبانيا اطلق الرئيس الاميركي جيمس مونرو تصريحاً شهيراً في عام 1823 يرفض فيه اي تدخل للدول الاوروبية في شؤون القارة الاميركية او احتلال اي جزء من أرضها، وبذلك وضع حداً لتدخل اوروبا في القارة الاميركية، واسس لنمط جديد للولايات المتحدة في علاقاتها الدولية مع أوروبا والعالم في ما بعد .
المؤتمر الأوروبي والنظام الدولي: شكل مؤتمر فيينا أساساً لتشكيل الجماعة الدولية الحديثة، فبدأ يتسع مع اتساع الحركة الدولية والثورة الصناعية وحركات الاستعمار، واستقلال الدول، وظهور القوميات، وبدأ يشمل دولاً غير مسيحية، نظراً لاتساع دائرة المشاكل وضرورة حلها، فكان يعقد مؤتمر في كل مناسبة ترى الدول الكبرى، او احداها ضرورة لذلك، او مصلحة لها في عقده، وهكذا سيطرت هذه الدول على السياسة الدولية وفرضت وجهة نظرها في النصف الشرقي من الكرة الأرضية، وبذلك سمي هذا النظام الدولي الذي كان يشرف على العالم بنظام "المؤتمر الأوروبي"، والذي تميّز بسياسة عقد المؤتمرات لحلّ المشاكل التي واجهت العالم خلال القرن التاسع عشر، واستمر حتى الحرب العالمية الاولى، وقد استطاع ان يؤسس للكثير من المعاهدات والقوانين التي ما زالت في الكثير منها قائمة حتى اليوم، كاتفاقيات جنيف 1864 الخاصة بمعاملة جرحى الحرب واتفاقيات لاهاي 1899 و1907 الخاصة بقواعد الحرب والحياد، وتسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية، وكذلك محكمة التحكيم الدولي الدائمة في لاهاي.
مؤتمر لاهاى وفض المنازعات بالطرق السلمية
لاشك ان مؤتمري لاهاي يمثلان اهمية خاصة بالنسبة للتنظيم الدولي واللذان عقدا 1899-1907 واسفرا عن اتفاقيات دولية تحمل اسم هذا المؤتمر كان لها اعظم واخطر النتائج والاثار في تطور القانون الدولي حيث اقرت لاول مرة في العلاقات الدولية نضاما لفض المنازعات الدولية بالطرق السلمية أنشأت لاول مرة كذلك هيئة قضائية دولية هي محكمة التحكيم الدولي الدائمة في لاهاي كمـا انضمت ودونت قواعد الحرب والسلم الدولي. وبالاضافة الى ذلك عرفت العلاقات الدولية تنظيمات من نوع اخر تلك هي التنظيمات الادارية والاقتصادية الدولية مثل اتحادات البريد والتلغراف والسكك الحديدية .
عصبة الأمم المتحدة: لم يستطع المؤتمر الاوروبي بالرغم من كل هذه المؤتمرات في المضي قدما في تحقيق ماكانت تعقد عليه الانسانية من امال في اقرار الامن والاستقرار والتقدم وسيادة حكم القانون في المحيط الدولي. فقد ادى التنافس الاقتصادي، ونمو الشعور القومي، والرغبة في السيطرة لدى الدول الأوروبية الكبرى الى الحرب العالمية الأولى 1914، والتي استمرت اربع سنوات رأت فيها البشرية الويلات، والكوارث، وقد دفعها ذلك مع نهاية الحرب مطلع عام 1919، وخلال عقد مؤتمر فرساي في باريس الى خلق تنظيم دولي جديد عرف باسم "عصبة الأمم" لمنع الحرب وفض المنازعات الدولية بالوسائل السلمية، وهذه الفكرة كانت تخالج نفوس الكثير من السياسيين والمفكرين منذ زمن بعيد، وهي ايجاد هيئة دولية عليا ودائمة تتولى النظر في علاقات الدول وتعمل على توطيدها، وتكون اداة لحفظ السلام العام وحلّ المنازعات بالطرق السلمية وعبر المفاوضات، والعمل على تخفيض التسلح.
منظمة الأمم المتحدة: ايضاً لم تثمر الجهود التي بذلتها العصبة لصيانة السلم الدولي، ولم تستطع المواثيق والمعاهدات التي ابرمت تحت جناحها، منع وقوع الصدام بين الدول وقيام الكثير من الحروب المحلية، كما عجزت عن منع، او ايقاف الكارثة الكبرى التي تمثلت في اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، والتى كانت شاملة، أصابت بنتائجها دول العالم المحاربة، وغير المحاربة، وقد استمرت ست سنوات، وكادت تقضي على النظام العالمي كله، ولما انتهت الحرب، تداعى زعماء الدول المنتصرة الى مؤتمر عقد في سان فرنسيسكو في الولايات المتحدة عام 1945 ووضعوا ميثاقاً جديداً للعلاقات بين الدول وتحريم اللجوء الى الحرب الا دفاعاً عن النفس، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وفرض الجزاء والعقوبات على المخالفين، واوكلت هذه المهمة الى هيئة دولية دعيت "منظمة الأمم المتحدة" تستند على ميثاق مكتوب يتضمن كافة الأمور الاجرائية والادارية الضرورية للقيام بدورها على اكمل وجه .
وهكذا تحققت على ارض الواقع لأول مرة تلك الفكرة المثالية في تأمين الأمن الجماعي من خلال هيئة دولية قادرة على فرضه عبر مجموعة من القواعد الملزمة، والتي وافقت الدول المؤسسة على احترامها والالتزام بها، وتشجيع كافة الدول الأخرى على الانضمام الى هذه المنظمة الدولية الجديدة، حيث جاهدت المنظمة الدولية، كي تبقى وفية لميثاقها، ملتزمة بالقوانين التي سنت لحماية الامن الدولي، ونشر العدالة بين البشر، من خلال الأجهزة والفروع التابعة لها، ولكن الواقع الدولي، وصراع القوى الكبرى، ولعبة التوازن، والمصالح الخاصة بهذه القوى، أثر مباشرة على دور المنظمة وفعاليتها، وربما هذا ما يدفع كثير من الدول الى المطالبه باصلاح المنظمة الدولية من جديد لتكون معبره عن مصالح وتطلعات اعضائها والانسانية جمعاء في صيانة الامن والسلم الدوليين وليس من اجل تحقيق مصالح الدول الكبرى فقط والذي يمكن ان يؤدي الى كارثه جديده تحل بالعالم اذا استمر الوضع كما هو عليه الآن.

الفصل الثاني
الصراع الدولي ووسائل ادارة الازمات
تنفرد ظاهرة الصراع الدولي عن غيرها من ظواهر العلاقات الدولية بأنها ظاهرة ديناميكية متناهية التعقيد، ويرجع ذلك إلى تعدد أبعادها ، وتداخل مسبباتها ومصادرها، وتشابك تفاعلاتها وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة ، وتفاوت المستويات التي تحدث عندها وذلك من حيث المدى أو الكثافة والعنف . إضافة إلى ذلك الاختلاف الجذري أحيانا في طبيعة استراتيجيات إدارة الصراع الدولي التي تنتهجها الأطراف في هذ العمليات التصارعية المستمرة ، سواء ما تعلق من ذلك بالأهداف والأساليب والوسائل، وكل ذلك ادى الى صعوبة وضع نظرية عامة للصراع الدولي تستطيع أن تؤصل دوافعه وأسبابه وكذا سبل مجابهته واحتوائه في إطار من الشمول والتكامل المنطقي . بيد أن ذلك يجب ألا يقلل من المجهودات الأكاديمية الهائلة التي بذلت من أجل تهيئة الأساس العلمي لمثل هذه النظرية الصراعية المتكاملة والتي تبلورت في بعدين أساسيين:
1- المداخل والمنطلقات النظرية الرئيسة المستخدمة في تفسير الصراع الدولي وذلك من حيث تقرير أسبابها ودوافعها والقوى المحركة التي تكمن وراءها.
2- أهم نظريات المجابهة والاحتواء لهذه الظاهرة في كلياتها وذلك من حيث الكيفية التي يمكن للمجتمع الدولي معالجتها من الجذور في نطاق تدابير دولية عامة تستهدف في أساسها التمكين للسلم الدولي في صورة ومستقرة .
إدارة الأزمات الدولية في المجتمع الدولي المعاصر
إن بروز خلافات وصراعات ومواجهات بين الدول تشكل تحديا حقيقيا يواجه أصحاب القرار، نظرا لتضارب المصالح في المجتمع الدولي. وتأتي إدارة الأزمات كوسيلة لدرء وتلافي المواجهات العسكرية الوخيمة العواقب، وهي تقنية قديمة اعتمدت على سبل تقليدية كالمفاوضات تم تطويرها في العقود الأخيرة لتعتمد طرقا فنية وتقنيات عالية الدقة والفعالية، والغاية من إدارة الأزمات هو تجنب حدوث مواجهة عسكرية قد لا يتوقعها أطراف النزاع عند بداية الأزمة. وتقنية إدارة الأزمات لها قواعدها وضوابطها وهي في هذا الجانب علم، ولكن تطبيق هذه القواعد بما يتواءم والظروف الضاغطة والمتقلبة والمواقف المفاجئة والمتسارعة التي يفرضها الأطراف يتوقف على قدرة خلاقة لصاحب القرار أو مدير الأزمة، ولذلك فهي من هذه الناحية فن يتعلق بموهبة القيادة التي لا يمكن أن تكتسب بالمعرفة أبدا وإن كانت المعرفة تصقلها وتهذبها وتعمقها
مفهوم الأزمة
يهدف أسلوب إدارة الأزمات الدولية أساسا إلى منع تفاقم المشاكل الدولية والحؤول دون تطورها إلى مواجهة عسكرية مباشرة, عبر وسائل متنوعة, وبذلك يقترب من تسويـة المنازعات بل يكاد يتمـاهى معـه أحيانا، ولهذا سنحاول تسليط الضوء على هذا الأسلوب من خلال التطرق بداية لمفهوم إدارة الأزمات قبل الانتقال إلى تحديد الوسائل الدوليـة لإدارة هذه الأزمات .
إن مصطلح الأزمة هو مصطلح قديم, تداوله الفكر اليوناني الذي كان يقصد به نقطة تحول في الأمراض الخطيرة والقاتلة التي تؤدي إلى الموت المحقق أو الشفاء التام، كما استخدم في الصين في شكل كلمتين (wet- ji ) أولا هما تعبر عن الخطر والثانية عن الفرصة , أما دلالتها على المستوى الدولي فهناك من يعرفها بأنها "فعل أو رد فعل إنساني يهدف إلى توقف أو انقطاع نشاط من الأنشطة أو زعزعة استقرار وضع من الأوضاع بهدف إحداث تغيير في هذا النشاط أو الوضع لصالح مدبره" . ويعرفها آخر بانها: "مرحلة الذروة في توتر العلاقات في بيئة استراتيجية وطنية أو إقليمية أو دولية, بحيث يصبح أطراف تلك العلاقات قاب قوسين أو أدنى من الحرب" .
ومن هنا فأن "الأزمة هي مرحلة متقدمة من مراحل الصراع، والصراع في أي مظهر من مظاهره وعلى أي نطاق من نطاقاته، بدءا من داخل النفس البشرية وانتهاء بالصراعات الدولية" وهذا يعني بأن أشكال الصراع مختلفة الأسباب والدوافع، ويمكن تعريفه بكونه: "ذلك التفاعل الناجم عن المواجهة والصدام بين المصالح والمعتقدات والبرامج وغير ذلك من الكيانـات المتنازعة "
ولما كان الصراع في صميمه هو تنازع الارادات الوطنية الناتجه عن الاختلاف في دوافع الدول في تصوراتها واهدافها وتطلعاتها ومواردها وامكانياتها .. الخ مما يؤدي الى اتخاذ سياسات خارجية تختلف اكثر مما تتفق، ولكن برغم ذلك يظل الصراع بكل توثراته وضغوطه دون نقطة الحرب المسلحة. وهذا يعنى ان الصراع يمكن ان تتنوع مظاهره واشكاله، فقد يكون صراعا سياسيا او اقتصاديا او مذهبيا او حضاريا، كما ان ادواته يمكن ان تتدرج من الضغط والحصار والاحتواء والتهديد والعقاب والتفاوض والمساومة والاغراء والتنازل والتحالف والتحريض والتخريب والتآمر .. الخ، اما الحرب فإنها لا يمكن ان تتم الا على صورة واحدة وباسلوب واحد هو التصادم الفعلى بوسيلة العنف المسلح حسما لتناقضات جذرية لم يعد يجدى معها الاساليب اللينه، ومن هنا فإن الحرب المسلحة تمثل نقطة النهاية في تطور بعض الصراعات الدولية .وبذلك تختلف الأزمة عن الحرب التي تعرف بتلك المواجهة العسكرية التي تتم لفترة طويلة أو قصيرة باستخدام قوات مسلحة وتسفر عن ضحايا.
وعموما يمكن استخلاص مجموعة من الخصائص التي تميز الأزمة الدولية:
• فهي محطة تحول حاسم غالبا ما يتصف بالفجائية في نسق داخلي أو دولي, يهدد مصالح دولية معينة و يثير نوعا من الذهول والقلق في أوساط الأطراف المعنية بها.
• تتسم بالتعقيد والتشابك في عناصرها وأسبابها وتستقطب اهتماما دوليا كبيرا.
• تتطلب جهدا كبيرا لمواجهتها وذلك لتلافي تطوراتها السلبية التي قد يمتد خطرها للمستقبل.
• وهي نتاج لتراكم مجموعة من التأثيرات السابقة التي لا يتم حسمها .
• تطرح نوعا من الارتباك والشك في الخيارات المطروحة للتعامل معها خصوصا, في ظل غياب معلومـات كـافية حولها.
• قد تخلق حالة من التوتر العالمي خلال فترة زمنية قصيرة, خصوصا في ظل العلاقات الدولية المتشابكة والمعقدة حاليا . .
أما عن الأسباب التي تقف وراء نشوب الأزمات فهي متعددة ويمكن إجمالها في:
• وجود بؤرة خلاف لم تحسم رغم مرور الوقت.
• وجود حالة من تعارض المصالح والأهداف بين الدول.
• تنامي الإشاعات بين الدول
• بروز أزمات مدبرة ومخطط لها بهدف تحقيق أهداف استراتيجية معينة .
• الأخطاء البشرية الناجمة عن سوء الفهم وسوء التقدير أو سوء الإدارة إلى جانب اليأس.
• الميل إلى استعراض القوة من قبل دولة تجاه دولة أخرى قصد ابتزازها وإحراجها.
• خرق الدول للاتفاقيات القائمة بينها.
بقي أن نشير إلى أن لكل أزمة دولية طرفان: الأول هو الذي خرج عن الوضع السلمي الطبيعي القائم مع الطرف أو الأطراف الأخرى ويعرف بمفجر الأزمة, بينما الطرف الثاني فهو الذي تستهدفه الأزمة ويفترض فيه أنه هو الذي يواجهها.
في مفهوم إدارة الأزمات الدولية
إذا كانت الأزمة – كما رأينا- هي حالة يمكن أن توصف بالاقتراب من خروج الأمور عن نطاق التحكم والسيطرة، فإن مواجهتها ينبغي أن تتم بسرعة وبطرق ذكية وإجراءات رشيدة لتفادي تطور المواقف إلى نزاع مسلح مباشر، وهي العملية التي تدخل في إطار ما يسمى بإدارة الأزمات التي يعرفها أحد الباحثين بكونها: "كيفية التعامل والتغلب على الأزمة بالأدوات العلمية المختلفة وتجنب سلبياتها والاستفادة منها مستقبلا . في حين يعرفها باحث آخر بأنها: "قدرة نظام صنع القرارات سواء على المستوى الجماعي أو الفردي للتغـلب على مقومـات الآليـة البيروقراطية الثقـيلة التي تعـجز عن مـواجهة الأحداث والمتغيرات المتلاحقة والمفاجئة... في محاولة لموازنة المجابهات أو المنازعات بقصد الحفاظ على المصالح المشتركة دون اللجوء للحرب .
ولكن تبقى نتائج هذه الإدارة رهينة بكفاءة مدير الأزمة وفعالية استراتيجيته المتبعة في هذا الشأن، حيث إن ظهور الأزمة للوجود يضع الطرف الذي يواجهها أمام هدفين أو مطلبين: الأول، هو حماية المصالح والأوضاع القائمة بأقل تكلفة مادية وبشرية، والثاني هو العمل قدر المستطاع على تجنب الدخول في غمار مواجهة عسكرية مكلفة.
ورغم أن بعض المفكرين متشائمون حيال احتمال تحقق تطور نظري يعزز تقنية إدارة الأزمات في ظل العراقيل البيروقراطية والتنظيمية خلال بروز الأزمة مما قد يؤثر سلبا على اتخاذ القرارات بشكل عقلاني، فإن هذه العملية يمكن أن تستمد نجاعتها وفعاليتها من قوة الطرف الذي يدير الأزمة وتناسق استراتيجيته في هذا الصدد من خلال:
• طرح الهدف ومحاولة السيطرة على الأفعال الصادرة عن الأطراف أو الطرف المعتدي وردود أفعال الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى.
• مرونة القرار السياسي وملاءمته للأهداف البديلة المرسومة.
• توفير البدائل والخيارات، وتجنب العقبات التي قد تبرز.
• ترك هامش للتحركات السياسية تضمن "حفظ ماء الوجه" لدى الخصم .
ومن جهة أخرى يتطلب إنجاح هذه العملية دراسة الأزمة على ضوء عناصرها الموضوعية وأسبابها الحقيقية، وعدم الاكتفاء بإلقاء مسؤولية بروزها على عاتق الخصم، ومحاولة تبرئة الذات من ذلك، لأن نجاح هذه الإدارة لا يتحقق بالدفاع عن الذات وتبرئتها وتحميل عاتق الخصم المسؤولية كاملة، خصوصا وأن ذلك يمكن أن يزيد من تعنت الطرف الآخر ويؤدي بالطبع إلى طريق مسدود .
إن النتائج التي تقود إليها أية أزمة هي الحرب أو التسوية السلمية، وهذه النتائج لا تستند إلى مصادفات بقدر ما ترتكز سلبا أو إيجابا إلى المقومات الشخصية لمدير الأزمة من ناحية وإرادته ومدى كفاءة أو رداءة استراتيجيته المتبعة في إدارة هذه الأزمة
كيفية ممارسة الدول لقوتها القومية والادوات المستخدمة
1- الاقناع : وهو اسهل الاساليب واكثرها فاعلية في ممارسة الدولة لقوتها هذا فضلا عن انه ارخص الوسائل كلها واقلها مخاطره على الاطلاق. وهو من الوسائل المحببة للدول الصغرى حيث لا تملك الكثير من وسائل القوة الاخرى
2- اسلوب الاغراء : وهو تقديم اغراءات للدول الاخرى تختلف في طبيعتها وتتنوع طبقاً للموقف الذي تقدم فيه، فاحياناً تكون اغراءات نفسية او اقتصادية او سياسية
3- اسلوب توقيع العقوبات : وهو اسلوب شائع جدا في المجتمع الدولى ومن امثلتها العقوبات الاقتصادية والسياسية وفرض قيود على الهجرة والنقل والتجارة .. الخ
4- - اسلوب استخدم القوة المسلحة: بالتجاء الدولة الى استخدام اسلوب القوة المسلحة، فانها تكون قد اجتازت الحد الفاصل بين العقوبات غير المبنية على العنف العسكرى الى القوة السافرة
ولكن كيف يمكن للدولة ان تختار بين الاساليب المختلفة حين تضطر الى استعمال قوتها القومية.
كقاعدة عامه فان هذا الاختيار يتحدد في المقام الاول بطبيعة العلاقة القائمة بين الدولتين اللتين تكونان طرفا في النزاع:
1- ففي حالة وجود اتفاق تام بين الدولتين، فانه من البديهي والطبيعي الا يكون هناك مجال لاستخدام القوة المسلحة على اى نحو (بريطانيا وامريكا).
2- عدم وجود اتفاق بين الدولتين، ولكنه غير تأثير حاسم في علاقة الدولتين ببعضهما، اذ توجد حالة من الاتفاق في مجالات اخرى متعددة، وهنا يبرز اسلوب الاقناع كافضل الطرق المتبعه في ممارسة الدولة لقوتها، او اسلوب الاغراءات
3- عدم وجود اتفاق بين الدولتين، ولكن بصوره اشد من الحالة السابقة، وهنا يكون اسلوب الاغراءات كبديل افضل لاسلوب الاقناع، واوضح مثال لذلك اسلوب المعونات الاقتصادية الخارجية.
4- يغلب طابع الاختلاف وعدم الاتفاق على علاقة الدولتين، وهنا يمكن التركيز على اسلوب التهديد بتوقيع العقوبات اكثر من التركيز على تقديم الحوافز والاغراءات.
5- تصل العلاقة الى درجة العداء وهنا يتم اللجوء الى القوة العسكرية لتحقيق مصالح الدولة .
المراحل التى يسلكها الصراع الدولى : اتجاه التصاعد واتجاه التناقض، واتجاه الاستقرار، واتجاه التلاشي او النتهاء . وتصاعد الصراع يعنى الزيادة في ناحية المدى والكثافة، اى اتساع حدود الصراع وارتفاع درجة التوثر فيه. اما تناقص الصراع فهو يعنى الانخفاض في الكثافة والانكماش في المدى
الوسائل السلمية لإدارة الأزمات الدولية
أمام تنامي أوجه الصراع والأزمات على الساحة الدولية سواء في مظاهرها الإقليمية أو الدولية، ابتدع المجتمع الدولي مجموعة من الوسائل لاحتوائها وتطويقها أو التخفيف من حدتها, وقد عددت المادة الثالثة والثلاثون من الميثاق الأممي هذه الوسائل وسمحت للدول بحرية اختيار إحداها. وتتنوع هذه الوسائل بين وسائل دبلوماسية, قضائية وقهرية.
الوسائل الديبلوماسية
تندرج هذه الوسائل ضمن أقدم السبل التي التجأت إليها الدول لحل منازعاتها وإدارة أزماتها, وقد عرفت تطورا ملحوظا على مستوى آلياتها وفعاليتها, ولا تزال الممارسة الدولية تشهد على نجاعتها في احتواء العديد من المشكلات الدولية. وتتمحور هذه الوسائل حول المفاوضات, المساعي الحميدة, الوساطة, التحقيق, التوفيق, وعرض المنازعات على المنظمات الإقليمية والدولية.
الوسائل القانونية
على خلاف الطرق السياسية التي تفتقر إلى الصفة الإلزامية, فإن الطرق القانونية أو القضائية تتميز بإصدار قرارات ملزمة تتقيد الدول المعنية بتنفيذها واحترامها, وتصدر هذه القرارات إما عن هيئات التحكيم أو عن محاكم دولية دائمة.
التحكيم الدولي
يعد التحكيم بمثابة فحص ونظر في النزاع وجذوره من قبل شخص أو هيئة يلجأ إليها المتنازعون أنفسهم, مع التزام مسبق بتنفيذ القرار الذي سيصدر في النزاع, وبهذا فسلطة الحكم كسلطة القاضي وقراره بمثابة حكم قضائي له صفة الإلزام, ومعلوم أن اللجوء إلى هذا الإجراء الذي أثبت فعاليته في حل العديد من الأزمات الدولية, يتم بناء على رضى طرفي أو أطراف الأزمة.
القضاء الدولي من خلال محكمة العدل الدولية
إذا كانت قرارات التحكيم تصدر عن هيئات عرضية, فإن القرارات القضائية تصدر عن أجهزة دائمة, وتعد محكمة العدل الدولية إحدى الأجهزة الرئيسية للأمم المتحدة, هذا فضلا عن كونها الجهاز القضائي الأساسي لهذه الهيئة.
الوسائل الزجرية
قد يصبح اللجوء إلى الوسائل الزجرية والإكراهية ضرورة ملحة عند فشل الطرق الودية في إدارة أزمة دولية معينة, وتتنوع هذه الوسائل بين الضغوطات الاقتصادية والسياسية والعسكرية كحل أخير.
الضغوطات الاقتصادية والسياسية
للجانب الاقتصادي أهمية قصوى في العلاقات الدولية, وقد يكون اللجوء إلى هذا النوع من الضغوطات بشكل مباشر أو غير مباشر عاملا حاسما في التخفيف من حدة تصاعد الأزمة أو إنهائها، وتتنوع هذه الضغوطات بدورها إلى المقاطعة، الحصار الاقتصادي, الحظر، الحجز على الأموال بالخارج. ومعلوم أن استعمال هذه الضغوطات أصبح يعرف حركية كبيرة في ظل التحولات الدولية الأخيرة رغم ما يخلفه من آثار إنسانية صعبة.
أما الضغوطات السياسية فيمكن بدورها دورا مهما في هذا المجال, وتتركز هذه الضغوطات في الحملات السياسية الدعائية التي تستهدف الطرف الخصم في إطار ما يعرف بالحروب النفسية, أو الحد والتقليص من حجم البعثات الديبلوماسية للخصم في الخارج, وحرمانها من بعض الامتيازات الدولية من قبيل منع انضمامها لبعض المنظمات والاتفاقيات..
دور القوة العسكرية والمعلومات في إدارة الأزمات الدولية
إن إدارة أية أزمة دولية بشكل فعال يتطلب إمكانيات بشرية ومادية وعسكرية وسياسية مهمة, لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يمكن توظيف القوة إلى جانب الديبلوماسية في إدارة الأزمات الدولية؟ أم أن من شأن ذلك تعميق الأزمة والإسراع بإشعال الحرب غير المرغوب فيها؟
من الحقائق الثابتة في علم العلاقات الدولية أن القوة أداة للديبلوماسية، وبذلك فإن "جزءا من إدارة أية أزمة هو بلورة وسائل وسياسات وضغوط أخرى أمنية تجعل الذي يفكر في الاعتداء يتردد" . ويعتقد بعض الباحثين أن الممارسة الدولية تؤكد على ضرورة استعمال القوة العسكرية لردع الخصم أثناء تصعيد الأزمة مع تجنب العمليات التي يمكن أن يفسرها الخصم بأنها استعداد لأعمال قتالية . كما أن ميثاق الأمم المتحدة ورغم أنه حرم اللجوء إلى القوة أو التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية, خول لمجلس الأمن التدخل عسكريا في إطار نظام الأمن الجماعي وذلك في حالة تطور الأزمات والمنازعات الدولية بشكل يهدد السلم والأمن الدوليين، خصوصا بعد استنفاذ محاولات إدارة الأزمة سلميا, أو عبر الضغوطات غير العسكرية (المادة 42 من الميثاق) وسمح للدول ممارسة حقها في الدفاع الشرعي الفردي أو الجماعي عن النفس (المادة 51 من الميثاق الأممي).
فهناك ضرورة للمزج في هذا الإطار بين سياسة الترغيب والمساومة والمفاوضات عن طريق تقديم العروض والتنازلات لحمل الخصم على وقف الإثارة من جانبه أو لإرغامه على القبول والإذعان للمطالب المرجوة من ناحية، والترهيب الذي يتم عبر استخدام القوة والأعمال الزجرية غير العسكرية الأخرى أو التهديد باستعمالها من ناحية ثانية، وبخاصة وأن للقوة أهميتها –أحيانا- في الدفاع عن المصالح المهددة بأقل ما يمكن من الخسائر المادية والبشرية، مع الاحتفاظ بقنوات الاتصال مفتوحة - طبعا-, وتجنب الارتجال في اتخاذ القرارات للحؤول دون إقدام الطرف الآخر على القيام بعمل عسكري قد يفشل إدارة الأزمة تماما. وفي نفس السياق يشير البعض إلى أن الكلام الذي لا يستند إلى إمكانيات حقيقية عديم التأثير على طرف يجيد حساباته .
والجدير بالذكر أن عنصر الردع الذي يعرف بالتهديد باستخدام السلاح دون استعماله فعليا, أسهم بشكل كبير وفعال في إدارة العديد من الأزمات بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة خلال فترة الحرب الباردة، وإذا كان الردع وسيلة معهودة استخدمت على نطاق واسع في إدارة الأزمات بين القوى الدولية الكبرى في إطار "توازن الرعب"، فإن هذه الأخيرة – حاليا- قد تلجأ مباشرة وبسهولة إلى استعمال القوة العسكرية في إدارة الأزمات التي تكون الدول الضعيفة طرفا رئيسيا فيها إلى جانبها. فمدير الأزمة قد يلجأ إلى التهديد باستعمال القوة أو استخدامها فعلا إذا كان توازن القوة في صالحه، بحيث يجد نفسه مضطرا إلى اختيار الممكن من بين عدة بدائل قد تكون صعبة وسيئة بناء على منطق معادلة الربح والخسارة.
وإذا كانت فترة الحرب الباردة قد شهدت استثمارا للقوة في إدارة العديد من الأزمات الدولية عبر سياسة الردع، فقد أصبح واضحا أن استخدامها حاليا هو أكثر سهولة وكثافة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها بعد اختفاء تحدي المعسكر الشرقي.


الفصل الثالث
الوسائل السلمية لفض المنازعات في القانون الدولي المعاصر
مر القانون الدولي بمراحل متعددة، حيث أنبثق من الاديان المختلفة، كما وجد في فكر الفلاسفة والاصلاحيين الى أن بدأ يتقنن من خلال المعاهدات، والاتفاقات الدولية. ومن المعروف أن تسمية (القانون الدولي العام) ترجع إلى الفيلسوف الإنجليزي (بنتام)، الذي أطلق على مجموعة القواعد التي تحكم علاقات الدول اسم. القانون الدولي، وبذلك يمكن تعريف القانون الدولي بانه "مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول وتحدد حقوق كل منها وواجباتها". ويذهب (شتروب) إلى وصف القانون الدولي العام بأنه: "مجموعة القواعد القانونية، التي تتضمن حقوق الدول وواجباتها وحقوق وواجبات غيرها من أشخاص القانون الدولي". في حين يذهب (شارل روسو) إلى أن: "القانون الدولي العام هو ذلك الفرع من القانون الذي يحكم الدول في علاقاتها المتبادلة" .
ويعتبر منظرو السياسة الدولية ان اعلى منافع البشرية وخيرها يوجد في سيادة القانون: القانون الدولي، والقانون الخاص، وضرورة تطبيق القوانين التي اتفق عليها ، هذا بالرغم مما تثيره قواعد القانون الدولي من تساؤلات حول طبيعتها القانونية، بسبب عدم وجود مشرع وسلطة قضائية تنفيذية، وعدم وجود جزاء يترتب على مخالفتها . وهنا يرى كثير من فقهاء القانون الدولي أن عدم وجود مشرع، وقضاء دولي، وجزاء لا ينفي الصفة القانونية عن القواعد الدولية، ولكن مع ذلك فإن القوانين الدولية تختلف عن القوانين الداخلية في كونها تنشأ عن طريق التراضي بين الدول، خصوصاً وأن العالم بدأ يشعر بحاجته للقواعد الدولية، وحاجته للمنظمات الدولية، (بسبب تزايد إيمان الدول بأهمية التضامن بينها لأجل أمن وتعاون دولي في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعسكرية) .
فقد ظلت فكرة حماية العالم من ويلات الحروب عالقة لدى جميع الشعوب منذ العصورالقديمة، إلا أن إضفاء طابع السلمية على النزاعات الدولية، شهد تطورًا هائلاً في القرن العشرين، وكان الحدث الحاسم في ذلك هو مؤتمري السلام عامي 1899 و1907 في لاهاي. فمع انتشار ظاهرة التنظيم الدولي خلال الفترة الموالية للمؤتمرين سالفي الذكر اكتسبت قضايا المحافظة على السلام والأمن والتسوية السلمية للمنازعات أهمية خاصة، إذ أصبحت من بين المقاصد الأولى لأية منظمة دولية، كما توفرت القناعة لدى المهتمين بأمور التنظيم الدولي بأن وجود أي نظام قوي وفعال يختص بوظيفة التسوية السلمية للمنازعات يعتبر أحد المقومات الموضوعية المهمة التي تستند إليها المنظمات الدولية عموما في مجال الاضطلاع بالمهام المنوطة بها . ولهذا فقد بدأ منذ أكثر من خمسين عاماً عقل جمعي دولي لإقرار قواعد (القانون الدولي العام)، التي تحث الدول على نبذ الحرب، والالتجاء إلى الطرق السلمية لفض المنازعات، والحفاظ على السلم والأمن الدوليين ، مع إقرار حق الدول في الدفاع الشرعي لرد العدوان، واستعمال العنف كوسيلة لدفع الخطر إذا لم تنجح الوسائل السلمية لحل النزاعات بين الدول .
تسوية المنازعات الدولية
إن الوسائل الدولية لإدارة الأزمات متعددة ومتباينة وتتنوع إلى وسائل ديبلوماسية (المفاوضات، المساعي الحميدة والوساطة، التحقيق، التوفيق، عرض المنازعات على المنظمات الدولية والإقليمية…) وقانونية (التحكيم الدولي والقضاء الدولي) وزجرية (الضغوطات الاقتصادية من حظر وحصار ومقاطعة وتجميد للأموال أو حجزها في الخارج، أو سياسية وديبلوماسية أو اللجوء إلى القوة العسكرية كخيار أخير…)، ولقد عددت المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة في فقرتها الثانية مختلف هذه الوسائل ، كما نص الميثاق في مواضع أخرى منه على وجوب عرض النزاع إذا استعصى حله بإحدى هذه الوسائل المذكورة سابقا، على الهيئة الدولية لتوصي بما تراه مناسبا بشأنه، كما بينت الاتفاقيات الدولية الكبرى التي أبرمت منذ مؤتمر لاهاي لإقرار السلام الكثير من هذه الوسائل وما يتصل بها من إجراءات وأحكام، فتكلمت اتفاقية لاهاي الأولى سنة 1907 عن الوساطة والمساعي الحميدة والتحقيق والتحكيم ، وسرد النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية كل ما يتصل بالسبل القضائية, وعالجت معاهدة التحكيم العامة المبرمة في جنيف سنة 1928 موضوع التوفيق، كما تعرضت أيضا للقضاء والتحكيم.
التسوية السلمية للمنازعات الدولية
يصل عدد الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة حوالي (190) دولة وهناك دول أخرى وإن كانت قليلة ليست أعضاءً في المنظمة الدولية، وبسبب كثرة عدد الدول في العالم وتضارب مصالحها وأهدافها فإن النزاع بين دولة وأخرى أوبين عدد من الدول أمر وارد في كل وقت وذلك أن العلاقات بين الدول ليست دائماً مستقرة وهادئة وكثيراً ما يؤدي تعارض المصالح والتوجهات إلى قيام النزاع، والحكمة المتوخاة حسب الشرائع السماوية والمواثيق الدولية عند قيام النزاع بين دولتين أو أكثر هو اللجوء إلى لغة العقل بأن تسعى هذه الدول المتنازعة إلى حل النزاع بالطرق الودية أو السلمية وألا يتم اللجوء إلى أسلوب العنف أو الحرب في حل النزاع إلا في حالات الضرورة القصوى.
وقد حرص المجتمع الدولي على ضرورة الأخذ بالخيار الأول وهو السعي لحل الخلافات والنزاعات بالطرق السلمية حيث تم تأكيد ذلك في مؤتمر (لاهاي) الذي عُقد سنة 1899م، الذي حضره محبو السلام من ساسة العالم حيث أسفر هذا المؤتمر عن مجموعة من المبادئ لتسوية المنازعات الدولية إضافة إلى ما ورد فيما بعد في عهد عصبة الأمم التي أنشئت سنة 1919م وما ورد في ميثاق هيئة الأمم المتحدة التي أُنشئت سنة 1945م. ويستخلص مما ورد في هذه المواثيق الدولية أن حل الخلافات والمنازعات الدولية بالطرق السلمية يتم حسب الخطوات الآتية :
• استخدام طرق التسوية الودية ذات الصبغة الدبلوماسية (المفاوضة والمساعي الحميدة والوساطة والتحقيق)
• اللجوء إلى الطرق القضائية (بواسطة هيئات التحكيم أو محكمة العدل الدولية).
• فرض ميثاق الأمم المتحدة على الدول الأعضاء عرض كل نزاع أخفقت الدول في حله على مجلس الأمن، ونصت المادة الثانية (فقرة 3) من ميثاق الأمم المتحدة على أنه يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية، على وجه لا يجعل السلم والأمن والعدل الدولي عرضة للخطر .
ويبدو من ذلك أن هناك العديد من الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لتسوية المنازعات، فهناك:
اولاً: وسائل التسوية السياسية والدبلوماسية .
ثانياً: وسائل ذات الصبغة القانونية أو القضائية.
كما انه هذه الوسائل يمكن تقسيمهما الى عدة انواع بحسب الاطراف التى تشارك فيها وهي :
• الوسائل التي تقتصر على أطراف النزاع: التفاوض
• الوسائل التي تتضمن تدخل الغير الذي لا يملك حسم النزاع: المساعي الحميدة - الوساطة-التحقيق-المصالحة أو التوفيق.
• الوسائل التي تنطوي على تدخل الغير الذي يملك حسم النزاع (مثال محكمة العدل الدولية)
• اللجوء إلى المنظمات الدولية (مثال مجلس الأمن)
اولاً: وسائل التسوية السياسية والدبلوماسية
1- المفاوضة
إن التفاوض عملية قديمة قدم التاريخ، ولقد عرفت الحضارات البشرية التفاوض بقصد تحقيق الأهداف السياسية، والمنافع الاقتصادية، وأحياناً، الغايات العقائدية. فاستخدمت الأقوام التفاوض في تنظيم العلاقات فيما بينها، ومع غيرها. كما أن المفاوضات العسكرية كانت أسلوباً شائعاً، نتيجة كثرة الصدامات المسلحة التي كانت تنشب، فيما بين القبائل، أو المدن، أو الدول أو الشعوب، أو الأمم. وهكذا شاع أسلوب المفاوضة في السلم، وفي الحرب. وهي تقوم على تلاقي مسؤولين من الجهتين المتنازعتين لبحث اسباب النزاع وعناصره، بقصد التوصل ‏الى حله. وقد تجري المفاوضة عن طريق مؤتمر دولي يجمع الجبهتين المتنازعين مع غيرهما.
المفاوضة، وهي تبادل الرأي بين دولتين متنازعتين بقصد الوصول إلى تسوية للنزاع القائم بينهما. ويقوم بالمفاوضة عادة المبعوثون الدبلوماسيون للدول الاطراف في النزاع عن طريق اتصال كل منهم بوزير خارجية الدولة الاخرى . أو عن طريق مندوبين مخصصين لهذا الغرض إذا كان النزاع ذا أهمية خاصة ويكون تبادل الآراء بين المفاوضات شفهياً أو كتابياً، وقد يتطلب الأمر إضافة فنيين لكلا الفريقين المتفاوضين إذا كان النزاع مثلاً يتعلق بالخلاف حول الحدود ومن أمثلة القضايا التي حُلت عن طريق المفاوضات انسحاب إسرائيل من صحراء سيناء الذي تم بعد مفاوضات طويلة بين مصر وإسرائيل.
ويستعمل مصطلح المفاوضة ليعني، في اللغة العربية، مفهوم (المراوضة) والمراوضة (لغة) مصطلح ازدهر استعماله في المجال التجاري، وتحديداً في معاملات البيع والشراء، وفي عمليات المزايدة والمناقصة وكان المعنى يفيد أن يسعى كل طرف إلى ترويض الآخر، أي غلبته. أما القاموس الدبلوماسي، فيرى في التفاوض أنه : لا يمثل - فحسب - سبب وجود الممثل الدبلوماسي بصفته رئيساً للبعثة الدبلوماسية. وإنما يمثل جوهر الدبلوماسية كلها، وكل أشكال وجوانب الدبلوماسية خاضعة لعملية التفاوض وهنا اقترب مفهوم التفاوض من معنى الدبلوماسية وذلك لارتباط المسألة بآليات العمل الخارجي للدولة، وهذا مادفع بهنري كيسجنر إلى القول بأن الدبلوماسية بالمعنى المتعارف عليه، هي عملية التقريب بين وجهات النظر المتعارضة من خلال المفاوضات .
ويقصد بالمفاوضة (قانوناً) تبادل وجهات النظر فيما بين ممثلي شخصين من أشخاص القانون الدولي العام، أو المنظمة الدولية وما في حكمها. فالعلاقات ما بين أشخاص القانون الدولي العام إنما تتم من خلال، وعبر أشخاص طبيعيين مخولين حق تمثيل تلك الوحدات القانونية ويقتصر حق مباشرة هذه المهمة - وبشكل واضح - على الأجهزة التنفيذية، وممثليهم المفوضين قانوناً وهو أمر من شأنه أن يبوأ المتفاوضين مكانة سامية في مسارات عملية التفاوض .
طبيعة التفاوض :
أكد القضاء الدولي على أن المفاوضات هى إحدى سمات وسائل فض المنازعات بالطرق السلمية، بل إنه قد بوأها مكانة تتقدم على الحلول القضائية وذكرت المحكمة الدائمة للعدل الدوليه بأنه لا يجب أن يعرض عليها إلا القضايا التي لا يمكن حلها عن طريق المفاوضات. لذلك، فإن القانون الدولي العام يقر آلية التفاوض، ويدعو إليها وينظمها، سواء كان هذا التفاوض ما بين طرفين، أو ما بين عدة أطراف، أو في إطار منظمة دولية إقليمية أو عالمية. وقد تجري هذه المفاوضات الإشراف المباشر لإحدى المنظمات الدولية (العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966، العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966، اتفاقية قيينا للعلاقات الدبلوماسية 1961، اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية 1963، اتفاقية قانون البحار لعام 1982، اتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية 1998 .. إلخ )، أو قد تجري خارج هذه المنظمات الدولية استجابة لمعطيات سياسية أو قانونية ( اتفاق دايتون بولاية أو هايو الأمريكية، نوفمبر 1995) والذي جرى ما بين ممثلين عن الصرب، والبوسنة والهرسك، أو قمة واشنطون في 1995، والتي ضمت الأردن، وفلسطين، وإسرائيل، تحت إشراف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون وقد تجري المفاوضات داخل أجهزة المنظمة ذاتها .
وقد تأخذه هذه المفاوضات مسارات لقاء القمة، سواء كانت ثنائية ( القمم الأمريكية السوفيتية والروسية، أو القمة الفرنسية – الألمانية). وقد تكون مفاوضات القمة متعددة الأطراف ( الملوك والرؤساء العرب في الجامعة العربية، أو جماعية (قمة عدم الانحياز )، أو استراتيجية (قمة الدول الثماني الصناعية) حتى وإن كانت لقاءات القمة - عادة ما تسفر مفاوضاتها عن إصدار بيان وليس معاهدة دولية .
ولا يوجد زمن للمفاوضات، فهى قد تبدأ وتنتهي في زمن قصير جداً وقد تطول لتستمر سنوات ( اتفاقيات قانون البحار 1973-1982 ) وهى كما تكون علنية، فإنها يمكن أن تكون سرية ( مباحثات أو سلو1993) والمفاوضات ( في القانون الدولي العام ) كما يتصور أن تجري ما بين أطراف متنازعة فإنها قد تجرى ما بين أطراف متوافقة، وحيث أنها قد تزدهر في حالات السلم .وأخيراً، فإن المفاوضات لا يشترط أن تتم ما بين أطراف متساوية في المركز القانوني، أو الوضع الدولي، أو في الثقل الاقتصادي، أو في الكثافة السكانية، فهى يمكن أن تجري ما بين أشخاص قانونية دولية غير متكافئة .
والأكثر من ذلك، فإن المفاوضات قد تصاحبها وسائل إكراه تستهدف النيل من قدرة أحد الأطراف، أو حتى إرغامه على التفاوض وتأخذ هذه الوسائل أشكالا عدة تبدأ من ممارسة الضغوطات السياسية، أو الأخلاقية ، أو الاقتصادية وسواء تمت ممارسة هذه الضغوطات أثناء عملية التفاوض (الضغط على إيران عام 2006 من أجل التفاوض مع الوكالة الدولية للطاقة النووية في موضوع البرنامج النووي الإيراني)، أو قبلها بقصد الإجبار على التفاوض، فإن الدفع بها قانوناً لإبطال النتائج أمر تكتنفه العديد من الصعوبات، خاصة وأن بعض هذه الضغوطات لا تباشر بشكل واضح، علني، ومقنن، أو أن من يمارسها يملك من أدوات القوة، والتقنية، وحق الاعتراض في مجلس الأن ما يمكنه من تحقيق نتائج عملية .
وإجمالاً .. فإن جميع القضايا التي يمكن أن تطرحها علاقات المجتمع الدولي أو تفرضها طبيعته المتغيرة، تصلح لأن تكون مجالاً خصباً للمفاوضات، وقد تأخذ المفاوضات الطابع النوعي، فيتم التفاوض حول مسألة بذاتها، ولكن بجميع تشعباتها، مثل المؤتمر الدولي للمياه والبيئة ( دبلن(1992، أو المفاوضات الجماعية المتعلقة بإنشاء محكمة جنائية دولية دائمة (روما 1998).
2- الوساطة :
هي الخطوة الثانية لحل النزاع الناشب بين الدول في حال فشل المفاوضات المباشرة بين الدولتين المتنازعتين، وفي هذه الخطوات تقوم إحدى الدول وخاصة إذا كانت ترتبط بعلاقة صداقة بين الدولتين المتنازعتين بالتوسط بينهما إما من أجل العودة للمفاوضات بينهما ويطلق على هذا الأسلوب (الخدمات الودية) أو أن تشترك الدولة الوسيطة في المفاوضات بصورة فعلية ومباشرة ويعرف هذا الأسلوب (بالوساطة) حيث تقوم الدولة الوسيطة حسب هذا الأسلوب بالتوفيق بين المطالب المتعارضة للدول المتنازعة والتخفيف من حدة الجفاء بينهما وبدون صفة ملزمة، وتنتهي مهمة الدولة الوسيطة في هذه الحالة إذا تبين لها أن وساطتها غير مقبولة من كلا الطرفين المتنازعين أو أحدهما، أو إذا قرر أحد الطرفين المتنازعين عدم قبول هذه الوساطة، ومن أمثلة القضايا التي حلت بالوساطة رفع الحظر الاقتصادي عن ليبيا الذي استمر لمدة سبع سنوات بسبب وساطة الملك عبدالله بن عبدالعزيز ورئيس جنوب أفريقيا السابق نيسلون مانديلا.
الوساطة المزدوجة: وهي أسلوب آخر للوساطة لحل المنازعات الدولية وهي خاصة بالمنازعات الخطيرة التي تهدد السلم العالمي وفيها تقوم إحدى الدولتين المتنازعتين باختيار دولة أجنبية لتتولى عنها المفاوضة بشأن النزاع القائم حيث تعمل الدولتان المختارتان في البداية على عدم قطع العلاقات السلمية بين طرفي النزاع، ثم تقومان بالمفاوضات لتسوية النزاع وفي حدود (30) يوماً يمتنع خلالها طرفا النزاع من الحديث حوله، فإذا لم تنجح المساعي حول ذلك وتوتر الوضع بين الدولتين المتنازعتين بقطع العلاقات السلمية بينهما فإنه مطلوب من الدولة الوسيطة في هذه الحالة استغلال الفرصة المناسبة للعمل على إعادة السلم بين طرفي النزاع.
دبلوماسية المكوك
وهي نوع من الوساطة حيث يقوم الوسيط بإجراء المفاوضات بين طرفين متحاربين يتعذر لقاؤهما المباشر؛ فيناقش المقترحات ويجري الحوار حول الردود عليها، مع كل من الطرفين المتنازعين بالتوالي، بهدف التوصل إلى تسويات مؤقتة وجزئية، تقود في النهاية إلى توفير شروط التوصل إلى مراحل متقدمة في التسويات السياسية بين الأطراف المعنية. ويعتمد هذا الأسلوب على سرعة الحركة، وشرح المواقف للطرف الآخر وظروفه، وكذلك إلى امتلاك وسائل الترغيب أو التهديد، الخفية والمعلنة، المساعدة على الدفع في اتجاه تذليل العقبات، والتوصل إلى نتائج عملية محددة. وقد اقترن هذا الأسلوب بهنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي، في التوسط في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، من طريق دبلوماسية الخطوة خطوة، على إثر اندلاع حرب أكتوبر 1973 .
3-المساعي الحميدة: وتقوم على التقريب بين مواقف الجهتين المتنازعتين لاستئناف المفاوضات او البدء بها. وقد وضعت اتفاقية لاهاي لسنة 1907 المتعلقة بتسوية النزاعات الدولية بالوسائل السلمية، القواعد الخاصة بالمساعي‏الحميدة والوساطة في الفصل الثاني (المادة 2 - 8). وقد اصبح هذا الاسلوب شائع في عصرنا الحاضر حيث تلجأ اليه كثير من المنظمات الدولية وبالذات منظمات الامم المتحدة من خلال استخدام شخصيات عالمية مرموقه ولها شعبية واحترام دولي للقيام ببعض المهام السلمية او في بؤر الصراعات.
4-التحقيق
ويتم بواسطة لجان دولية يعرض عليها النزاع، حيث يلجأ إليها طرفا النزاع إذا كان الخلاف بينهما على وقائع معينة حيث تقوم هذه اللجان بإيضاح حقيقة الوقائع المختلف عليها حتى تكون المناقشة فيما بعد لحل النزاع مستندة إلى وقائع صحيحة، وتقوم لجان التحقيق بأعمالها في جلسات سرية وتتخذ قراراتها بأغلبية الآراء وتعلن تقاريرها في جلسات علنية إلا أن الرجوع للجان التحقيق لحل المنازعات بين الدول ليس ملزماً بل يتم باتفاق الأطراف المتنازعة. وقد نظمت اتفاقية لاهاي طرق التحقيق في‏الباب الثالث (الماد 9 - 36)، ثم طورت معاهدات بريان (1913 - 1915) هذه الطرق بشكل واسع. ويهدف التحقيق عادة ‏الى جلاء بعض النقاط في الخلاف بشكل موضوعي.
معايير دولية للجان تقصي الحقائق
اصبحت لجان التحقيق ظاهرة عالمية، حيث شهدت الفترة من عام 1974 إلى عام 2007 إنشاء ما لا يقل عن 32 لجنة تحقيق في 28 بلداً. وقد شُكل أكثر من نصف هذه اللجان خلال السنوات العشر الماضية. ويجري حالياً النظر في إنشاء لجان أخرى للتحقيق .ولهذا بدلت الامم المتحدة وغيرها من المنظات الاقليمية جهود كبيره لوضع قواعد دولية لتقصي الحقائق، وكانت أول عملية دولية لجمع وتصنيف لإجراءات تقصي الحقائق هي اتفاقية لاهاي لتسوية المنازعات بالوسائل السلمية لعام 1907. وفي عام 1970 أصدر الأمين العام مشروع قواعد نموذجية لإجراءات تقصي الحقائق الخاصة بهيئات الأمم المتحدة، تغطي الانطباق ودستور الهيئة المخصصة وجدول أعمال الاجتماعات والموظفين والأمانة واللغات والتصويت وسير العمل والتعاون مع الدول الأعضاء والشهادات الشفوية والتحريرية ومصادر المعلومات الأخرى والسجلات والتقارير. وتتيح القواعد لأي لجنة وضع توصيات وإصدار تقرير. كما تتيح للدولة المعنية تقديم أدلة وتعيين ممثل وطرح أسئلة على الشهود، ولكنها لا تسمح للدولة بوضع توصيات لجدول الأعمال أو إعاقة حضور الشهود. وموافقة الدولة المعنية مطلوبة لدخول الهيئة المخصصة إلى الدولة. وتقبل جميع الأدلة بالرغم من أن استعمالها يخضع لرأي اللجنة. ويحلف الشهود ويقسم أعضاء اللجنة على أداء واجباتهم "بشرف وبصدق وبحيادية وبإخلاص." ويجوز قيام عضو أو أكثر بعقد جلسة استماع.
5- التوفيق
وهو وسيلة تقع بين الوساطة وبين الطرق القضائية، ويقوم على التحقيق في المسائل التي يقوم حولها النزاع،واقتراح الحلول التي يمكن ان يرضى بها الطرفان، وتقوم بالتوفيق لجان يطلق عليها تسمية (لجان التوفيق) وهي تشبه لجان التحقيق في السعي لحل النزاع بين الدول إلا أن لجان التوفيق يكون من مهامها أيضاً اقتراح حل للنزاع يمكن أن يقبله الطرفان المتنازعان.
و"التوفيق" طريقة حديثة لتسوية المنازعات الدولية، دخلت التعامل الدولي بعد عام 1919 بواسطة عدة معاهدات ثنائية وجماعية. وتتألف لجان التوفيق بموجب اتفاق يعقد بين الطرفين المتنازعين، أو بقرار صادر من الأمم المتحدة، أو إحدى المنظمات الدولية أو الإقليمية. وتتولى هذه اللجان دراسة النزاع القائم وتقديم تقرير وافٍ عنه إلى الطرفين، أو إلى المنظمة، يتضمن عدة اقتراحات، أو حلول، لتسوية النِّزاع. ومن امثلة ذلك قرار الامم المتحدة 194 الخاص بالتقسيم، حيث تضمن البند الثالث من القرار فقرة خاصة أنشئت بموجبها لجنة التوفيق الدولية وأنيطت بها مهمة تسهيل إعادة اللاجئين إلى ديارهم، الأمر الذي رفضته الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وما زالت تصر على مواقفها هذه.
ثانياً: وسائل ذات صبغة قانونية أو قضائية
التحكيم
يعتبر التحكيم وسيلة فعالة وسريعة لحل المنازعات التي تثار بين الخصوم وتقترن احكام المحكمين وقراراتهم بالعدالة وحرية الرأي. والتحكيم قديم في نشؤه حيث عرفه القدماء في جميع الحقب الحضارية المتعاقبة حتى قال عنه (ارسطو) ان الاطراف المتنازعة يستطيعون تفضيل التحكيم على القضاء ذلك لأن المحكم يرى العدالة بينما لا يعتد القاضي الا بالتشريع) وازدهر التحكيم قبل الاسلام عند العرب وبرز عديد من المحكمين حيث ان كل قبيلة لها محكميها وكانت ابرز قضية قبل الاسلام حكم فيها رسولنا العظيم عليه الصلاة والسلام في رفع الصخرة المشرفة الى مكانها عندما اختلفت قبائل قريش عليها في حينه وجاء الاسلام ليضع التحكيم في اهم موقع في الحياة وهو العلاقة الزوجية (فان خفتم شقاقا بينهما فابعثوا بحكم من اهله وحكما من اهلها ان يريدا اصلاحاً يوفق الله بينهما). وكذلك في العلاقات الاخرى حتى وصلنا الى معركة صفين التي حكم فيها عمر بن العاص وابو موسى الاشعري بين سيدنا علي ومعاوية بن ابى سفيان.
والتحكيم هو البت في النزاع من طريق شخص او هيئة يكلفها المتنازعون بذلك، ويخضعون لقرارها، لان له ‏صفة الالزام. وقد نظمت التحكيم مؤتمرات لاهاي (1899 - 1907) وافردت له الاتفاقية الخاصة بتسوية المنازعات‏السلمية الفصل الرابع (المادة 27 - 90). ويعرف التحكيم بالتسوية القضائية للمنازعات الدولية وهو يتصف بالإلزام لأطراف النزاع حول ما يصل إليه من قرارات إلا أنه لا يلجأ إليه إلا باتفاق الأطراف المتنازعة، وقد يتم التحكيم عن طريق:
1- لجان تحكيم خاصة، وتتألف لجنة التحكيم الخاصة من خمسة محكمين يعين اثنان منهم من قبل الدولتين المتنازعتين ويعين الثلاثة الباقون بمَنْ فيهم رئيس اللجنة باتفاق الطرفين على أن يكونوا من دول أجنبية.
2- قد يتم التحكيم بلجوء الطرفين المتنازعين الى (محكمة العدل الدولية) التي كرس انشاءها ميثاق‏الامم المتحدة، وكانت سبقتها (المحكمة الدائمة للعدل الدولي) في ظل عصبة الامم. والمحكمة تبت بالامور بالطريقة ‏القضائية، معتمدة على القوانين والاعراف الدولية والمبادئ العامة للقانون. وقد فصلت المحكمة في كثير من المنازعات الدولية، وهي تتألف من خمسة عشر قاضياً معينين بمعرفة الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة وهي تتميز عن لجان التحكيم بأن أطراف النزاع لا يتدخلون بتعيين قضاتهم لحل النزاع بينهم، وتنظر هذه المحكمة في القضايا المعروضة أمامها في جلسات سرية إلا أن الحكم يُتلى في جلسة علنية وتفصل المحكمة في قضايا المنازعات برأي الأكثرية من قضاتها وإذا تساوت الأصوات رجح الجانب الذي فيه رئيس المحكمة، أما القضاة الذين يخالفون رأي الأغلبية فيوضح رأيهم في بيان مستقل، وحكم محكمة العدل الدولية نهائي وغير قابل للاستئناف إلا أنه يمكن إعادة النظر فيه في حالة ظهور وقائع تؤثر وبشكل حاسم في الدعوى وكانت هذه الوقائع غير معلومة لدى المحكمة وقت إصدار الحكم ولا الدولة التي طلبت إعادة النظر في الحكم، وألا يكون جهلها بهذه الوقائع نتيجة إهمال منها، وأن يكون طلب إعادة النظر في الحكم خلال مدة ستة أشهر من تاريخ اكتشاف الوقائع وبشرط ألا يكون قد مضى على صدور الحكم عشر سنوات، ومن أمثلة القضايا التي حلت عن طريق محكمة العدل الدولية الخلاف الحدودي بين البحرين وقطر
ولمحكمة العدل الدولية نشاط قضائي واسع، وتعد الأحكام الصادرة عن المحكمة قليلة نسبياً، لكنها شهدت بعض النشاط ابتداء من مطلع الثمانينيات، ومنذ العام 1946 أصدرت محكمة العدل الدولية 78 في نزاعات تتعلق من بين أشياء أخرى بالحدود البرية والحدود البحرية والسيادة الإقليمية وعدم استخدام القوة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والعلاقات الدبلوماسية والرهائن وحق اللجوء السياسي والجنسية والوصاية وحقوق المرور المائي والحقوق الاقتصادية. وقد شككت الولايات المتحدة بنزاهة القضاة إبان قضية نيكاراغوا، عندما ادعت أنها تمتنع عن تقديم أدلة حساسة بسبب وجود قضاة في المحكمة ينتمون إلى دول الكتلة الشرقية. وقد سحبت الولايات المتحدة الأمريكية اعترافها بالسلطة القضائية الإلزامية لهذه المحكمة، مما يعني بأنها تلتزم بما تقبله من قرارات المحكمة وتتحلل مما لا تقبله منها!



الفصل الرابع
دور المنظمات الدولية فى حل النزاعات بالطرق السلمية التسوية
يعد مبدأ التسوية السلمية للمنازعات أحد المبادئ الأساسية التي انبنى عليها التنظيم الدولي الحديث، وعلى وجه التحديد منذ انعقاد مؤتمري السلام عامي 1899 و1907، فمع انتشار ظاهرة التنظيم الدولي خلال الفترة الموالية للمؤتمرين سالفي الذكر اكتسبت قضايا المحافظة على السلام والأمن والتسوية السلمية للمنازعات أهمية خاصة، إذ أصبحت من بين المقاصد الأولى لأية منظمة دولية، كما توفرت القناعة لدى المهتمين بأمور التنظيم الدولي بأن وجود أي نظام قوي وفعال يختص بوظيفة التسوية السلمية للمنازعات يعتبر أحد المقومات الموضوعية المهمة التي تستند إليها المنظمات الدولية عموما في مجال الاضطلاع بالمهام المنوطة بها . ويقصد بالتنظيم الدولي مجموعة القواعد التى تحكم نشأة وعمل المنظمات الدولية، وتتمثل اهدافه في امرين:
اولا : تحقيق الامن والسلم الدوليين
ثانياً : تحقيق الرفاهية والرخاء لصالح الشعوب .
والتنظيم الدولي يعمل على تحقيق الامن والسلم الدوليين من خلال الامور التالية :
1- منع استخدام القوة في العلاقات الدولية
2- تسوية المنازعات بالطرق السلمية
3- الدفاع عن امن وسلام الدول من خلال انشاء الاحلاف التى تسعى الى ايجاد توازن بين الدول
وفي دراستنا لدور المنظمات الدولية في تسوية المنازعات بالطرق السلمية سنتناول الدور الذي تقوم به كلا من الامم المتحدة كمنظمة دولية، وجامعة الدول العربية كمنظمة اقليمية .
الامم المتحدة
مر العالم بأزمات وحروب خلفت وراءها ضحايا وخسائر جسيمة، وهكذا كان السلام- ومنذ القدم- يشكل هدفا للإنسانية، وقد كان لمأساة الحرب العالمية الثانية أثر كبير نحو إصرار المجتمع الدولي - وخصوصا صانعي القرار الدولي- لإقامة الأمم المتحدة والتأكيد على هدفها الرئيسي المتمحور حول تحقيق السلم والأمن الدوليين، خصوصا مع بروز أسلحة أكثر تدميرا للحياة الإنسانية. غير أن هذا المفهوم لايرتبط فقط بعناصر عسكرية، ولكن هناك عناصر أخرى غير عسكرية يمكن أن تسهم في تحقيقه في حالة توافرها أو المس به في حالة غيابها .
وتختلف وتتطور السبل الدولية لتحقيق السلم والأمن الدوليين بتطور العلاقات الدولية. فالأستاذ "دانييل كولار" يرى أن المجتمع الدولي نهج سبلا عديدة لتحقيق السلم والأمن الدوليين إبان فترة الحرب الباردة: فهناك السلام بواسطة الردع ومراقبة التسلح، والسلام بواسطة الانفراج الذي أعقب أزمة كوبا وموت ستالين وتجسد بإرادة العظميين عبر الدخول في عصر التعايش السلمي ثم هناك السلام بواسطة عدم الانحياز في ظل اشتداد الحرب الباردة وخطورة السلام النووي على البشرية وأخيرا السلام بواسطة التنمية على اعتبار أن معظم النزاعات والأزمات الدولية مصدرها اقتصادي واجتماعي .
ولو اننا حاولنا القاء نظرة سريعة على دور الامم المتحدة من هذا المنطلق فإننا سنلاحظ انها سعت الى تحقيق هذا الهدف من خلال المبادئ والاهداف التى وردت في الميثاق.
مبادئ الأمم المتحدة مستوحاة من ميثاقها
تقوم هيئة الأمم المتحدة على عدد من المبادئ الهامة والمذكـورة في الميثاق (الملحق الرقم 1). وتلتزم بهذه المبادئ كل من: الهيئة، والدول الأعضاء في علاقاتها بعضها ببعض، وهذه المبادئ هي:
1 - مبدأ المساواة في السيادة: تنص ديباجة ميثاق الأمم المتحدة على المساواة بين جميع الدول، بغض النظر عن التفاوت في إمكاناتها، من حيث الثروات الطبيعية، والبشرية، والتقدم.
2 - مبدأ فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية: ويطبق هذا المبدأ فقط في حالة النزاعات التي تنشب بين الدول الأعضاء، حيث لا تتدخل الأمم المتحدة في المنازعات التي تحدث داخل الدولة.
3 - مبدأ حسن النية في أداء الالتزامات الدولية: نصت المادة (2) الفقرة (2) من الميثاق على أنه "لكي يكفل أعضاء الهيئة لأنفسهم جميعاً الحقوق والمزايا المترتبة على صفة العضوية، يقومون في حسن نية بالالتزامات التي أخذوها على أنفسهم بهذا الميثاق".
4 - مبدأ منع استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية: ورد هذا المبدأ الهام في ديباجة الميثاق، ونصه "نحن شعوب العالم ...، اعتزمنا ...، ألا تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة". كما نصت المادة (2) الفقرة (4) من الميثاق على أن: "يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة، أو استخدامها ضد سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".
5 - مبدأ معاونة الأمم المتحدة في الأعمال التي تقوم بها، والامتناع عن مساعدة الدول التي تعاقبها:
6 - مبدأ التزام الدول غير الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة بالعمل وفقاً لمبادئها. بقدر ما تقتضيه ضرورة حفظ السلم والأمن الدولييْن".
7 - مبدأ عدم تدخل الأمم المتحدة في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.
أهداف هيئة الأمم المتحدة ومقاصدها من الميثاق
تسعى الأمم المتحدة إلى تحقيق عديد من الأهداف السامية، من أهمها:
فض النزاعات التي قد تشكل خطراً على السلم والأمن الدولييْن، ومنع استخدام القوة، وتحقيق السلام العادل بين دول العالم. وقد جاء ذكر مقاصد الأمم المتحدة في أماكن متعددة من الميثاق على النحو التالي:
1 - حفظ السلم والأمن الدولييْن: ورد هذا المقصد في عديد من الفقرات من الميثاق، لما له من أهمية خاصة، فقد ورد ذكره في الفقرة الأولى من الديباجة "نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحروب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف". كما ذكرت كذلك الديباجة "وأن نضم قوانا كي نحتفظ بالسلم والأمن الدولييْن".
كما نصت المادة (1) الفقرة (1) من الميثاق على "حفظ السلم والأمن الدولييْن، وتحقيقـاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، ولقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرع بالوسائل السلمية وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها". وقد خَصَّت الهيئة مجلس الأمن بسلطة تحقيق السلم والأمن الدولييْن، لما يملكه من سلطات وفعاليات واسعة، وعهدت الهيئة لمجلس الأمن بتحقيقه، سواء بالطرق السلمية، أم باستخدام القوة. وعلى هذا نجد أن المجلس ينفرد بسلطة كبيرة في فرض التسويات.
2 - تنمية العلاقات الودية بين الدول: وهو مقصد ورد في ديباجة الميثاق الذي نص على "أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار". كما ورد ذكره في المادة (1) الفقرة (2) من الميثاق التي حثت على "إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الملائمة لتعزيز السلم العام".
3 - تحقيق التعاون الدولي في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية:
4 - اتخاذ هيئة الأمم المتحدة مرجعاً لتنسيق أعمال الدول الأعضاء، وتوجيهها نحو إدراك الغايات المشتركة
دور هيئات الامم المتحدة في تسوية المنازعات الدولية:
منذ تأسيس هيئة الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم عام 1945 جعلت هذه المنظمة من حفظ السلم والأمن الدوليين وتحقيقه هدفا رئيسا لها وهذا ما تبلور بوضوح في الفقرة الأولى من المادة الأولى لميثاقها، خصوصا وقد عانت الإنسانية من ويلات حروب مدمرة أتت على الإنسان والعتاد والطبيعة والمعمار.
ولما كانت التسوية السلمية للمنازعات وعدم استخدام القوة والتهديد بها، أو استخدامها أصبحت من الأمور المستقرة في فقه القانون الدولي العام، ومن المبادئ الأساسية الراسخة التي تحكم العلاقات الدولية، فإن اضطلاع المنظمات الدولية بتسوية المنازعات التي قد تحدث بين الدول المنخرطة في عضويتها أمر منطقي وضروري، بل يعد ذلك وظيفة جوهرية لعمل هذه المنظمات.
عرض النزاع على مجلس الأمن الدولي،
تتمحور فلسفة ميثاق الأمم المتحدة حول المحافظة على السلم والأمن الدوليين، حيث شكل هذا المبتغى هدفا رئيسيا لواضعي الميثاق وهو ما تبلور بالفعل في ديباجة الميثاق حيث تعاهدت شعوب الأمم المتحدة بأن تعمل على اتقاء الأجيال المقبلة من ويلات الحروب. ولقد احتل مجلس الأمن مكانة الريادة في نظام المحافظة على السلم والأمن الدوليين وذلك طبقا للمادة 24 من الميثاق وحتى يتمكن من تحقيق هذا الهدف خوله الميثاق مجموعة من الوسائل والسلطات سواء فيما يخص تكييف الحالات المهددة أو المخلة بالسلم والأمن الدولي أو اتخاذ ما يلزم من إجراءات مختلفة لردع الدول المعتدية، في حالة فشل الوسائل السلمية في حسم المشكل واحتواء الأزمة وتتنوع هذه الوسائل بدورها بين الضغوطات والعقوبات الاقتصادية والإعلامية والديبلوماسية والعسكرية. وضمن هذه الوسائل يحتل مجلس الأمن مكانة بارزة في هذا الصدد خولها له الميثاق الأممي بالنظر إلى القيمة القانونية لقراراته والحاسمة وكذا الدور الذي يحظى به في إقرار الحالات المهددة أو المخلة بالسلم والأمن الدوليين أو وقوع حالة العدوان, واحتكاره لوسائل استعمال القوة والإجراءات الزجرية الأخرى في مواجهة الدول المعتدية.
يعتبر قيام مجلس الأمن الدولي بنظر النزاع الذي يحصل بين دولتين أو أكثر هو الخطوة الأخيرة لحل النزاع، إذ يحق لمجلس الأمن الدولي في البداية دعوة الأطراف المتنازعة إلى حل الخلاف بينهما بالطرق السلمية (سالفة الذكر) فإذا أخفقت في ذلك وجب عليها عرض الأمر على المجلس الذي له أن يوصي بما يراه مناسباً لحل النزاع، ويتخذ مجلس الأمن الدولي قراراته بأكثرية تسعة من أعضائه الخمسة عشر بشرط أن يكون الخمسة الأعضاء الدائمون (أصحاب حق النقض) من بينهم، وقرارات مجلس الأمن الدولي لحل المنازعات هي مجرد توصيات لأطراف النزاع، يمكنهم أن يأخذوا بها أو يتحولوا عنها لطرق التسوية السلمية إلا أنه في حالة استمرار النزاع وأصبح مهدداً للسلم والأمن الدوليين، فإن من حق مجلس الأمن الدولي أن يقرر ما يراه لازماً لحفظ السلم والأمن الدوليين ويكون قراره في هذه الحالة ملزماً لأطراف النزاع وغيرهم من الدول الأعضاء في الهيئة الدولية.
وقد ترك الميثاق لمجلس الأمن أن يقرر استخدام القوة في حل المنازعات الدولية، طبقاً للظروف والملابسات المحيطة بكل حالة على حدة، كما أعطت المادة (41) لمجلس الأمن الحق في "أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء "الأمم المتحدة" تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً وقطع العلاقات الدبلوماسية". وفي حالة التأكد من أن التدابير التي نصت عليها المادة (41) لم تف بالغرض، فإن المادة (42) قد أجازت لمجلس الأمن أن يتخذ إجراءات عسكرية عن طريق القوات الجوية والبحرية والبرية، كما يجوز لمجلس الأمن كذلك اتخاذ إجراءات أخرى تتضمن المظاهرات والحصار.
وعلى الرغم من أن مبدأ منع استخدام القوة قد جاء ذكره في الديباجة، أباح ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة في حالات معينة منها:
أولاً: في حالة قيام المجلس بإجراءات القمع والقهر لحفظ الأمن والسلم الدولييْن
ثانياً: عند رفض إحدى الدول قبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها
ثالثاً: في حالة استخدام الدول الأعضاء القوة ضد دولة كانت أثناء الحرب العالمية الثانية من الدول المعادية لإحدى الدول الموقعة على الميثاق .
رابعاً: في حالة الدفاع الشرعي.
وبالرغم من المهمة الكبيرة والخطيرة التى يقوم بها، الا إن مباشرة مجلس الأمن لمهامه المرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين تقتضي منه - نظريا- الالتزام والخضوع لمجموعة من الضوابط القانونية التي يعكسها الميثاق الأممي، وإذا كان هذا الأخير يشكل إطارا عاما ودستورا لجميع أجهزة الأمم المتحدة فإن ظروف الحرب الباردة وما تولد عنها من صراعات إيديولوجية بين الشرق والغرب كان لها الأثر السلبي الكبير على مدى إنضباط المجلس لمبادئ ومقتضيات هذا الميثاق في جانبه المتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين مما نتج عنه ضعف حصيلة المجلس وهزالتها في هذا الشأن، كما ان انهيار المعسكر الشرقي وتحول النظام الدولى الى نظام احادي القطبية، فتح المجال على مصراعية لامريكا للاستفراد بدول العالم ضاربه عرض الحائط بميثاق الامم المتحدة، مما يمثل اكبر تهدي للسلم والامن الدوليين.
عرض النزاع على الجمعية العامة للأمم المتحدة:
تحتل الجمعية العامة مركزاً متميزاً بين بقية أجهزة الأمم المتحدة الرئيسية، حتى أن الساسة أطلقوا عليها "البرلمان العالمي"، إذ تتكون من مندوبين عن كل الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وعددها 192 دولة حتى الآن (1998). وقد أقر ميثاق هيئة الأمم المتحدة لهذه الهيئة الدولية الحق في مناقشة أية قضية تتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين عندما يطلب منها ذلك من إحدى الدول أو من مجلس الأمن الدولي وتصدر الجمعية العامة للأمم المتحدة توصياتها بشأن النزاع المعروض أمامها بأغلبية ثلثي الأعضاء إذا كان النزاع يمس السلم والأمن الدوليين وبالأغلبية العادية في المنازعات الأخرى، وتوصيات الجمعية العامة ليست ملزمة إلا أنه يجدر بالدول المتنازعة وقد التزمت بأهداف الهيئة الدولية أن تجعل هذه التوصيات محل اعتبار لديها.
قرار الاتحاد من أجل السلم
يعتبر من القرارات المهمة في تاريخ الأمم المتحدة، أصدرته الجمعية العامة في 1950 بناءً على اقتراح امريكي، وذلك نتيجة عجز مجلس الأمن عن اتخاذ خطوات إيجابية بشأن المشكلة الكورية، بسبب استخدام الاتحاد السوفيتي لحق الفيتو. ويقضي هذا القرار بأنه "إذا أخفق مجلس الأمن، بسبب عدم توافر الإجماع بين أعضائه الدائمين، في القيام بمسؤولياته الأساسية الخاصة بحفظ الأمن الدولي، في الحالات التي يلوح فيها تهديد للسلم أو إخلال به أو عمل عدواني، تبحث الجمعية العامة الموضوع فوراً لإصدار التوصيات اللازمة للأعضاء لاتخاذ التدابير الجماعية المناسبة، بما في ذلك استخدام القوات المسلحة للمحافظة على السلم أو إعادته إلى نصابه". كما قضى القرار بتعديل إجراءات دعوة الجمعية العامة، ليصبح للجمعية حق الانعقاد في دورة انعقاد استثنائية طارئة خلال 24 ساعة، إذا تلقى الأمين العام للأمم المتحدة طلباً في هذا الشأن من مجلس الأمن بأغلبية تسعة أعضاء، ليس من بينها بالضرورة أصوات الأعضاء الدائمين، أو بناء على طلب من الجمعية العامة، بموافقة أغلبية أعضائها.
عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام عمليات حفظ السلام
حفظ السلام وسيلة لمساعدة البلدان التي يمزقها صراع على خلق ظروف لتحقيق السلام المستدام. فأفراد عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، يرصدون ويراقبون عمليات السلام التي تنشأ عن حالات ما بعد الصراع ويساعدون المحاربين السابقين على تنفيذ اتفاقيات السلام التي وقعوا عليها.
يمنح ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن صلاحية اتخاذ تدابير جماعية والاضطلاع بها لحفظ السلام والأمن الدوليين. لهذا السبب، يتطلع المجتمع الدولي عادة إلى مجلس الأمن لكي يصدر تكليفا بإطلاق عمليات حفظ السلام. ويجيز مجلس الأمن المنظمات الإقليمية من قبيل منظمة حلف شمال الأطلسي، والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا أو تحالفات البلدان الراغبة، تأدية وظائف محددة لحفظ السلام أو إحلاله.
تعود بدايات عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام إلى عصر الحرب الباردة يوم كانت وسيلة لحل النزاعات بين الدول عبر نشر أفراد عسكريين من عدد من البلدان، غير مسلحين أو يحملون أسلحة خفيفة ويعملون بقيادة الأمم المتحدة، بين القوات المسلحة التابعة للأطراف المتنازعة سابقا. وهذا يمنح الوقت ويفسح في المجال أمام الجهود الديبلوماسية لمعالجة الأسباب الكامنة وراء النزاع.
وفي مذكرة اعلامية بتاريخ 30 نيسان/أبريل 2007 صادره عن ادارة عمليات حفظ السلام التابعه للامم المتحدة وضحت ان عمليات الامم المتحدة قامت بـ 61 عملية سلام منذ 1948 وان العمليات الجارية الآن يبلغ عددها 15، اماعمليات السلام الحالية الموجهة والمدعومة من قبل إدارة عمليات حفظ السلام فعددها 18.




اصلاح الأمم المتحدة
على مدى خمسين عام أو قل قليلاً-أي على مدى مرحلة السلام الطويلة سلام الحرب الباردة-كان منطقياً ألا تحظى الأمم المتحدة بالأهتمام المناسب من جانب الدول العظمى والكبرى, إذ وضعت الحرب الباردة لنفسها القواعد والآليات اللازمة لمنع الأنفجار. ولم تكن الأمم المتحدة مؤهلة أو مفوضة للقيام بدور أساسي, أو بأي دور آخر في مجالات الردع المتبادل والأحلاف العسكرية وتوازن القوى. وفور الوصول الى النهايتين! نهاية الحرب الباردة, ونهاية السلام الطويل, عاد الأهتمام بالمنظمة الدولية يتجدد. وأحتلت الأمم المتحدة مكانة مهمة في الجدل حول حجم الصلاحيات التي يجوز أو لايجوز منحها للأمم المتحدة, وحول حدود الدعم الأمريكي لها.
أن تحليل الأفكار المتداولة بشأن تطوير الأمم المتحدة وأصلاحها يشير الى أنها تركز على أحد أتجاهين:
الأتجاه الأول يتعلق بالمهمة الرئيسية للأمم المتحدة, وذلك في ضوء التغيرات التي حدثت في المجتمع الدولي.
الأتجاه الثاني فيركز على تنظيم الأمم المتحدة وتركيبها الأمر الذي من شأنه رفع كفاءتها.
وقد ركزت المقترحات والإصلاح على مجلس الأمن, فأقترح بعضهم مثلاً ضرورة توسيع عضوية المجلس. وأقترح آخرون ضرورة إعادة النظر في تركيب المجلس بما يجعله أكثر تعبيراً عن حقيقة الوضع العالمي الراهن والكثرة العددية لدول الجنوب, وهناك بعض الأفكار مثالية, والتي ترى أهمية إعادة النظر في حق الفيتو, ومدى سلامة أستمرار أحتكاره بواسطة عدد محدود من الدول, ورأى بعضهم الآخر ضرورة تقييد هذا الحق.
أن مجلس الأمن المفروض أن يكون مرآة لبنية السلطة في النظام الدولي وهو الجسر بين-أسمى المبادئ والقيم المتصلة بالمساواة والعدالة- في المجتمع العالمي من ناحية, وبين الواقع القبيح للسياسة في عالمنا من ناحية آخرى. ومع ذلك فأن بوسعنا أن نجعل المجلس أكثر ديمقراطية, فيغدو جهازاً تنفيذياً عالمياً أكثر شرعية, خصوصاً أنه من المفروض أن يتحدث ويتصرف نيابة عن المجتمع العالمي, متى ما أنصبت عنايتنا على قضايا التمثيل, وأستخدام حق الفيتو, والشفافية وقد طرحت أقتراحات عديدة ونوقشت في إطار فريق العمل غير المحدد المهام حول مسألة التمثيل العادل والزيادة في عضوية مجلس الأمن التي تمت في كانون أول 1993.
وهناك مجال آخر للإصلاح الا وهو الجمعية العامة وأعطائها دوراً أكثر فاعلية وعملية, فقد صار من الضروري إعادة التوازن بين الهيئة ذات الأختصاص العام, والتي تمثل هموم القطاع الأكبر من البشرية من ناحية, تلك التي ينعقد لها الأختصاص الرئيسي في حفظ السلام والتطبيق الإلزامي لقرارات الأمم المتحدة من ناحية آخرى.
أن القضايا والمشكلات التي تتجاوز حدود الإقليم تتطلب أستجابة جماعية لايمكن لأحد غير الأمم المتحدة أن يوفرها. وعلى كل الأطراف المستفيدة من تلك الأستجابة أن تسهم بنصيبها من أجل ضمان النجاح لها. وهذا هو جوهر المشاركة في العائدات والمسؤوليات, وفي توفير قدر أكبر من الأمن والأستقرار للمجمتع العالمي. والأهم بين كل ما تبقى هو الأمم المتحدة, وهذه حقيقة يجب أن يعيها دعاة الإصلاح وتكون الأساس الذي تبنى عليه محاولات إصلاح المنظمة الدولية إذ أنه حين تقف الأمم المتحدة وحيدة بعد أن فقدت معظم أفراد عائلتها من جراء معاناتها آثار الحرب العالمية الثانية, مثل الصراع بين القطبين الأعظمين, ونظام الحلفين, ونهاية الأستعمار وفكرة عدم الأنحياز, فأنها تستحق من الإصلاحيين ما هو أكثر من أقتراحات متناثرة, تستحق إطاراً عاماً وشاملاً كالإطار الذي نشأت في ظله فكرة الأمم المتحدة ووضع على اساسه ميثاق المنظمة الدولية.

الفصل الخامس
دور المنظمات الاقليمية في حل النزاعات بالطرق السلمية
خص ميثاق الامم المتحدة المنظمات الاقليمية بنصيب في مهمة المحافظة على السلم والامن الدولي، فقررت المادة 52 من الميثاق انه على مجلس الامن ان يشجع الاستثكتار على الحل السلمي للمنازعات المحلية بطريق هذه المنظمات بناء على طلب الدول التى يعنيها الامر واما بالاحالة عليها من جانب مجلس الامن (مادة 53) . كذلك فرضت نفس المادة على الدول الاعضاء في الامم المتحدة الداخلة في مثل هذه المنظمات ان تبدل كل جهودها لتدبير الحل السلمي للمنازعات المحلية عن طريق المنظمات التى هي عضو فيها وذلك قبل عرضها على مجلس الامن (فقرة 2) .
والمنظمات الاقليمية الموجودة في العالم عديده مثل الاتحاد الاوروبي ومنظمة الوحدة الافريقية ومنظمة المؤتمر الاسلامي ومنظمة دول امريكا اللاتينة وجامعة الدول العربية، حيث نص ميثاق كل هذه المنظمات الاقليمية على مبدأ تسوية المنازعات بالطرق السلمية وان اختلفت التفاصيل من منظمة لاخرى في الوسائل وآلية التنفيذ. و سنعرض لجامعة الدول العربية باعتبارها احد المنظمات الدولية الاقليمية، والوسائل السلمية التى تأخذ بها لفض المنازعات بين اعضائها وايضا آلية عملها .
جامعة الدول العربية
جامعة الدول العربية هي إحدى المنظمات الدولية الإقليمية التي أكدت في ميثاقها على عدم استخدام القوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة، وقد تقرر هذا التوجه أيضا في معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي التي صادق عليها مجلس الجامعة في أبريل 1950، ودخلت حيز التنفيذ سنة 1952 في مادتها الأولى بالحرص على دوام الأمن والاستقرار وفض المنازعات بين الأعضاء بالطرق السلمية .
والملاحظ أنه عند إنشاء جامعة الدول العربية تباينت الآراء ما بين الداعي للالتزام بالأحكام القضائية من خلال التحكيم (العراق ومصر)، وبين المطالبين بالحفاظ على سيادة الدول الأعضاء وعدم المساس بهذه السيادة (لبنان)، لذا جاء الميثاق كحالة توفيقية لهذا الاختلاف، بل يمكن القول أنه انحاز للرؤية الثانية . ولذلك جاءت المادة الخامسة من الميثاق متناولة مسألة حل الخلافات بين الدول الأعضاء وسبل تسويتها سلميا مع تأكيدها على عدم الالتجاء للقوة لفض المنازعات بين دول الجامعة، أكثر تواضعا من نص المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة ومن منظمة الوحدة الإفريقية. فقد اقتصرت هذه المادة على ذكر وسيلتين هما الوساطة والتحكيم، مع الإشارة إلى أن الجامعة قد استحدثت وسائل أخرى للتسوية السلمية للمنازعات.
الوسائل المنصوص عليها في الميثاق
اقتصر الميثاق على ذكر وسيلتين هما الوساطة والتحكيم، كما أن معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لم تتلافى النقص المشار إليه في الميثاق
1- الوساطة: اقتصر ميثاق جامعة الدول العربية على ذكر وسيلة سياسية ودبلوماسية واحدة تتيح تدخل مجلس الجامعة في فض المنازعات بطريقة سلمية متمثلة في الوساطة، مع ملاحظة أن الميثاق قد ربط مسألة إجراء الوساطة بالخلافات التي يمكن أن تتطور وتؤدي إلى نزاع مسلح أو يستشف منها إمكانية أن تؤدي إلى نشوب حرب بين الأطراف المتنازعة . وهذا يعنى، أن أي وساطة في أي نزاع عربي تقع من خارج المجلس لا تعتبر من قبيل الوساطة التي تقوم بها الجامعة، و إنما هي وساطة عربية. وقد اشترط الميثاق في الوساطة التي تقوم بها الجامعة أن تكون مقتصرة على المنازعات التي يخشى منها وقوع حرب بين دولتين عربيتين، وهذا أمر يمكن أن يؤخد ـ بطبيعة الحال ـ على واضعي الميثاق، إذ أن المفترض في وظيفة المنظمة الدولية أنها " وظيفة وقائية"، بمعنى أنها لا يجب أن تنتظر حتى يخشى من تصاعد نزاع ما ثم يتحول إلى حرب. ناهيك على أن الوساطة التي تحدث عنها الميثاق تتسم بسمة أساسية، وهي أن النتيجة التي تصل إليها ليست بالضرورة ملزمة.
فالوساطة تظل في النهاية مبادرة ودية يقوم بها المجلس بغية الوصول إلى حلول مرضية للأطراف المتنازعة، وفي أمور لا تخص مسألة استقلال الدول أو سلامة أراضيها أو سيادتها . وهذا بدوره يطرح تساؤلا عريضا، ماذا لو قبلت الأطراف المتنازعة اللجوء إلى مجلس الجامعة العربية في أمور يحق للمجلس بموجبها اتخاذ قرار ملزم ولم يطبق أحد الأطراف نتائج الوساطة ؟ خاصة في ظل غياب نص صريح يعالج مثل هذه الأمور.
إن ذلك ولا شك يساهم في إضعاف فعالية نظام التسوية السلمية للمنازعات التي تقوم بها الجامعة العربية، وقد بحث مجلس الجامعة في العديد من الخلافات العربية/ العربية، وخاصة في مسألة الحدود، فقد نظر في النزاع العراقي الكويتي سنة 1961، النزاع المصري السوداني، النزاع بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي، والنزاع الحدودي بين المغرب والجزائر. وعموما، يمكن القول أن الوساطة ( كوسيلة سياسية ودبلوماسية) يتوقف نجاحها على العديد من الاعتبارات أهمها: موقف الأطراف المتنازعة، رغبتها في تدخل مجلس الجامعة ، طبيعة النزاع ودرجة خطورته، التأثيرات الخارجية وغيرها.
2- التحكيم : يظهر من خلال قراءة نص المادة الخامسة من ميثاق جامعة الدول العربية أنها أشارت إلى جانب الوساطة كوسيلة سياسية، إلى التحكيم كوسيلة قضائية مع تأكيدها على التحكيم الاختياري وليس الإجباري، وهذا يعني أن المسألة تظل مرهونة برغبة وإرادة الأطراف المتنازعة، فلا يحق لمجلس الجامعة القيام بمهمة التحكيم بدون رضى الأطراف المعنية بنزاع أو خلاف ما بغض النظر عن درجة خطورة هذا النزاع و طبيعته.
إن تحديد الإطار السابق يساهم في إضعاف دور الجامعة العربية في هذا المجال، كما أن غياب أية إشارة في الميثاق إلى طبيعة الجزاء الذي يمكن أن يترتب على الأطراف التي قبلت التحكيم ثم رفضت الالتزام بقراراته . ولذلك يعد الطابع الاختياري الذي تمسكت به الدول العربية عند تأسيسها للجامعة العربية خوفا على استقلالها وسيادتها الوطنية (الموقف اللبناني) من جهة، ثم تخويل جهاز سياسي-مجلس الجامعة- القيام بمهمة التحكيم وليس جهازا قضائيا، دفع بالبعض إلى رفض فكرة التحكيم الإلزامي (الموقف العراقي) معتبرا أن القيام بهذه المهمة من قبل مجلس الجامعة سيخلق وضعا خطيرا يهدد تركيب الجامعة بصفة شاملة.
الوسائل الغير المنصوص عليها في الميثاق
شهد مجلس جامعة الدول العربية تطورا بالنسبة لدوره في مجال تسوية المنازعات العربية، وذلك على مستوى استخدام أساليب جديدة خارج الإطار الضيق الذي حدده الميثاق في الوسيلتين السابقتين أي الوساطة والتحكيم الاختياري، فقد استعان المجلس بالعديد من الوسائل و"التكتيكات"، فلجأ في المنازعات المختلفة التي عرضت عليه إلى المساعي الحميدة والمصالحة والتحقيق وبعثات تقصي الحقائق. كما اعتمد المجلس أسلوب الفصل بين الأطراف المتنازعة من خلال إرسال قوات عربية مشتركة، وقد حدث ذلك مرتين في تاريخ الجامعة: الأولى كانت أثناء النزاع العراقي الكويتي سنة 1961، والمرة الثانية كانت أثناء أزمة الحرب الأهلية اللبنانية . إلا أن أهم وسائل تسوية المنازعات العربية غير الواردة في الميثاق تتمحور حول جهازين رئيسيين: الأمين العام، ودور دبلوماسية مؤتمرات القمة.
1- الدور السياسي للأمين العام في تسوية المنازعات العربية.
و قد استند الأمين العام في قيامه بدور سياسي رئيسي في مجال تسوية المنازعات العربية والوساطة بين الأطراف العربية المتنازعة إلى تزايد اهتمام الجامعة - وبصفة خاصة المجلس ـ بمنصب الأمين العام ، والاقتناع بأهمية هذا المنصب ، باعتباره أحد العوامل الفاعلة في إدارة مختلف المنازعات العربية المحلية بشكل إيجابي. كما استند الأمين العام إلى مجموعة النصوص الواردة في النظام الداخلي لكل من مجلس الجامعة والأمانة العامة وفي مقدمتها المادتين 20 و21 من نظام المجلس الداخلي .
وقد تزايد دور الأمين العام بدرجة ملحوظة مما أدى إلى اعتماد المجلس عليه في القيام بمهام الوساطة والتوفيق وبدل المساعي الحميدة ، وقد بلغ هذا الاعتماد من طرف المجلس على الأمين العام حدا كبيرا ، إذ كان يعهد إليه كليا بالقيام بدور الوسيط في الكثير من الحالات ، كما أن الأمين العام كثيرا ما يقوم بجهوده التوفيقية بين أطراف النزاع حتى قبل تكليف المجلس له ، وقيام الأمين العام بذلك يمثل ضرورة تفرضها مقتضيات وظيفته ، فلكي يتسنى له مثلا توجيه نظر مجلس الجامعة أو الدول الأعضاء إلى أية مسألة تسيء إلى العلاقات القائمة بينها ، يتعين عليه بادئ ذي بدء أن يلم بالقدر الكافي بحقائق الموقف موضوع النزاع . ولم يتردد مجلس الجامعة في الترحيب في دوراته العادية بالجهود التي يقوم بها الأمين العام بالوساطة بين أطراف نزاع ما على امتداد الساحة العربية ، وكثيرا ما كان يطلب منه الاستمرار في بدل تلك الجهود .
وقد حدث ذلك على سبيل المثال بالنسبة لأزمة الحدود بين اليمن الشمالية واليمن الجنوبية سنة 1972 ، حيث أصدر المجلس قرارا بأن يستمر الأمين العام في مجهوداته من أجل تحقيق مصالحة الدولتين وبمساعدة لجنة خاصة مكونة من ممثلي بعض الدول الأعضاء . وفي الحرب الأهلية اللبنانية لم يتردد الأمين العام في بدل مساعيه لدى الأطراف المتنازعة منذ اللحظة الأولى لنشوب القتال ، و قد رحب المجلس في دورته العادية الثالثة و الستين بالجهود التي كان يبذلها الأمين العام في هذا الشأن. كذلك من الأدوار الرئيسية التي اضطلع بها الأمين العام بتكليف من المجلس دوره في أزمة الكويت عام 1961 ، فقد قام الأمين العام ( عبد الخالق حسونة ) بدور ملحوظ في تلك الأزمة و بصفة خاصة فيما كان يتصل بإنشاء و إرسال قوات حفظ السلام العربية التي صدر بشأنها قرار المجلس .
على أن تعاظم دور الأمين العام في مجال تسوية المنازعات العربية المحلية قد برز بوضوح شديد في حالة نزاع الحدود بين المغرب والجزائر سنة 1963 ، فبعدما تدهور الموقف بين الطرفين بادر الأمين العام بدعوة مجلس الجامعة للإنعقاد في دورة غير عادية لبحث هذا النزاع.
ولا شك أنه إذا كانت مبادرة الأمين العام بدعوة مجلس الجامعة للإنعقاد في دورة استثنائية لبحث النزاع المغربي الجزائري ، قد جاءت بالأساس انطلاقا من النص الذي تقرره المادة 20 من النظام الداخلي للمجلس، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها الأمين العام لاستخدام حقه بمقتضى هذه المادة ، إلا أن ما يميز مبادرة الأمين العام هذه استحداث أسلوب تدخل على النحو الذي تم به وإن كان لم يحقق النجاح المرجو، وكانت هذه سابقة تبنتها الأمانة العامة لنفسها توسيعا لإمكاناتها لدعوة المجلس للانعقاد .
وعلى العموم لعبت شخصية الأمين العام دورا سياسيا في تطوير كفاءة الجامعة في التعامل مع المنازعات العربية، ففي كثير من الحالات قام الأمين العام بدور الوساطة والتحقيق والاتصال بأطراف النزاع حتى قبل صدور تكليف رسمي من المجلس. وهذه النتيجة تؤيدها الدراسة السلوكية التي قدمها الأستاذ "ارنيس هاس" وزملاؤه حول إدارة الصراع في المنظمات الإقليمية ومنها جامعة الدول العربية، وقد انتهت هذه الدراسة إلى أن الجامعة تتميز بمركزية دور الأمين العام في تسوية المنازعات، حيث تمت تسوية حالة واحدة فقط بدون تدخل فعال للأمين العام وهي حالة النزاع بين لبنان والجمهورية العربية المتحدة سنة 1958، كما أن الأمانة العامة قامت بمجهودات توفيقية في تسوية بعض المنازعات العربية في مهدها قبل أن تنفجر وتعلن على الملأ .
وعلى الرغم من الظروف الموضوعية التي كانت وراء تعاظم الدور السياسي للأمين العام على صعيد تسوية الخلافات و المنازعات العربية، فان هذا الدور المتعاظم كثيرا ما يتعرض للنقد من جانب بعض الدول الأعضاء و هي ظاهرة تعود في الواقع إلى السنوات الأولى لقيام الجامعة، كما أنها ليست مقتصرة على أمين عام جامعة الدول العربية، بل نكاد نجدها في أغلب المنظمات الدولية .
2- دور دبلوماسية مؤتمرات القمة العربية في تسوية المنازعات العربية :
إن الاجتماعات الدورية لرؤساء الدول والحكومات العربية لها فائدتها في التسوية السلمية للمنازعات التي قد تنشأ بين الدول العربية لأن في ذلك فرصة للقاء الزعماء والقيادات العربية، ويعني حضور الأطراف المتنازعة جلسات مؤتمر القمة أنه قد تتاح الفرصة المناسبة للمساعدة عن طريق طرف ثالث مستعد لتقريب وجهتي نظر الأطراف المتنازعة ، حيث إن مناخ عقد مؤتمرات القمة قد تتهيأ فيه الفرصة لمباشرة الدبلوماسية الشخصية لرؤساء الدول ، ولذلك نجد أن لمؤتمر القمة دوره الفاعل في التسوية السلمية للمنازعات ، خاصة إذا كان طرفا النزاع حاضرين في المؤتمر، و في حالة تعذر جمع طرفي النزاع يحتاج الأمر إلى طرف ثالث لمحاولة الوصول إلى تسوية .
وهكذا فجامعة الدول العربية استحدثت دبلوماسية القمة العربية كإحدى أدوات تسوية المنازعات العربية، معبرة بذلك عن قدرة الجامعة على التكيف مع الظروف الجديدة ، وقد لعبت اجتماعات رؤساء وملوك الدول العربية دورا محوريا في تسوية المنازعات من خلال صورتين :
ـ الصورة الأولى : أن تخلق اجتماعات القمة المناخ المناسب للتفاهم بين رؤساء الدول الأطراف المتنازعة، حتى وإن لم يكن الهدف من الاجتماع هو تسوية النزاع ،وعلى سبيل المثال فقد مهد اجتماع القمة العربية الأول عام 1964 إلى لقاء مصري سعودي لتسوية الأزمة اليمنية ، ولقاء جزائري مغربي لتسوية الأزمة بين الدولتين . و بعبارة أخرى فإن جامعة الدول العربية تقوم بوظيفة " اتصالية" بين القيادات العربية تمهد بالتالي لتسوية المنازعات.
الصورة الثانية : هي اجتماع رؤساء و ملوك الدول العربية في إطار الجامعة من أجل تسوية نزاع عربي ، و من أمثلة هذه الصورة اجتماع القمة العربية في أكتوبر 1976 للنظر في الحرب الأهلية في لبنان، و هو الاجتماع الذي أسفر عن وضع التشكيل النهائي لقوات الردع العربية في لبنان.
و بالإضافة إلى مؤتمرات القمة العربية ، تلعب اجتماعات مجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية دورا مؤثرا في دراسة الملفات العالقة تمهيدا لعرضها على مؤتمر القمة بهدف إيجاد تسوية سلمية للمنازعات العربية.

تاريخ النزاع أطرافه طبيعته الأنظمة المتنازعة دور الجامعة تسويته
1948 حرب أهلية يمنية داخلي -- محدود انتصار أحد الأطراف
1949 سوريا- لبنان -- وسط- وسط لم تتدخل الجامعة وساطة مصرية سعودية
1958 مصر- السودان حدودي تقدمي –وسط لم تتدخل الجامعة الأمم المتحدة
1961 العراق- الكويت حدودي تقدمي- محافظ إرسال قوات طوارئ عربية لم تقم بأي دور يذكر إنشاء لجنة مختلطة لترسيم الحدود
1963 المغرب-الجزائر حدودي محافظ- تقدمي الدعوة إلى تكوين لجنة وساطة اتفاق ثنائي
1972 اليمن ش-اليمن ج حدودي وسط- تقدمي دور الأمين العام في إنشاء لجنة وساطة اتفاق ثنائي
1975 حرب أهلية لبنانية -- -- لعب الأمين العام دور التوصل لاتفاق الأطراف اتفاق ميثاق الطائف
1990 العراق- الكويت حدودي تقدمي- محافظ لم تتدخل الجامعة الأمم المتحدة
المصدر
مشروع آلية جامعة الدول العربية للوقاية من النزاعات وإدارتها وتسويتها عام 2000
اتفق مجلس جامعة الدول العربية على ما يلى:
1- إنشاء آلية تسمى "آلية جامعة الدول العربية للوقاية من النزاعات وإدارتها وتسويتها"، تعمل تحت إشراف مجلس الجامعة، وفى إطار مباشرته لمهام التسوية السلمية للمنازعات ووفقاً لتوجيهاته.
2- تهدف هذه الآلية فى الوقاية من النزاعات بين الدول العربية. وفى حال حدوث مثل هذه النزاعات، تعمل على تطويقها والحد من آثارها وتسويتها، والتعاون مع المنظمات الاقليمية والدولية عند الاقتضاء.
3- التزام الآلية بالمبادئ المنصوص عليها فى ميثاق جامعة الدول العربية، ومعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادى بين دول الجامعة العربية ، وبصفة خاصة مبادئ احترام سيادة جميع الدول الأعضاء وسلامة أراضيها، وعدم التدخل فى شئونها الداخلية، وحل النزاعات بالطرق السلمية.
4 - لايجوز الالتجاء الى القوة لفض المنازعات بين دولتين أو أكثر من دول الجامعة، فإذا نشب بينهما خلاف لا يتعلق باستقلال الدولة أو سيادتها أو سلامة أراضيها، ولجأ المتنازعون الى المجلس لفض هذا الخلاف، كان قراره عندئذ نافذاً وملزماً. وفى هذه الحالة لا يكون للدول التى وقع بينها الخلاف الاشتراك فى مداولات المجلس وقراراته. ويتوسط المجلس فى الخلاف الذى يخشى منه وقوع حرب بين دولة من دول الجامعة، وبين أية دولة أخرى من دول الجامعة أو غيرها، للتوفيق بينهما. وتصدر قرارات التحكيم والقرارات الخاصة بالتوسط بأغلبية الآراء.
5- إذا وقع اعتداء من دولة على دولة من أعضاء الجامعة، أو خشى وقوعه فللدولة المعتدى عليها، أو المهددة بالاعتداء، أن تطلب دعوة المجلس للانعقاد فوراً. ويقرر المجلس التدابير اللازمة لدفع هذا الاعتداء، ويصدر القرار بالإجماع، فإذا كان الاعتداء من إحدى دول الجامعة، لايدخل فى حساب الإجماع رأى الدولة المعتدية. وإذا وقع الاعتداء بحيث يجعل حكومة الدولة المعتدى عليها عاجزة عن الاتصال بالمجلس، فلممثل تلك الدولة فيه، أن يطلب انعقاده للغاية المبينة فىالفقرة السابقة. وإذا تعذر على الممثل الاتصال بمجلس الجامعة، حق لأى دولة من أعضائها أن تطلب انعقاده
وبالرغم من هذه الالية الجديدة يظل دور الجامعة العربية في تسوية المنازعات محدودا ومحكوما بتوجهات الدول الاعضاء وحالة الاستقطاب في الصف العربي، والاهم من ذلك تدخلات القوى الكبرى ذات المصالح وبالذات امريكا التى اصبحت تفرض حلول تتماشى مع مصالحها بعيدا عن مصالح هذه الدول، ويكفى ان نلقى نظرة الى النزاعات في لبنان والصحراء الغربية والعراق والسودان، والتى لم تستطع الجامعة العربية تحقيق ايه تقدم في هذه النزاعات، بل يبدو موقفها وكأنه يتماهى في بعض الاحيان مع الموقف الامريكي من النزاع وما يحدث فى لبنان خير مثال على ذلك.

السبت، 31 مايو 2008

النظام السياسي الفرنسي

النظام السياسي الفرنسي
من الثورة الى الجمهورية الخامسة
(1789- 2007)

يوسف العاصي الطويل

مقدمه

يعتبر النظام السياسي الفرنسي من النظم العريقة في العالم بسبب التجارب الغنية التي مر بها هذا النظام عبر تاريخه الطويل، والاثر الذي تركه على كثير من النظم السياسية لدول اخرى حيث استفادت دول كثيره من هذه التجربة الغنية في رسم معالم نظامها السياسي وبالذات في عالمنا العربي، وحتى التجربة الفلسطينية الوليدة استفادت من هذه التجربة.
وفي دراستنا للنظام السياسي الفرنسي الحديث والمعاصر سنتناول نشأته وتطوره اعتباراً من الثورة الفرنسية عام 1789 وحتى الآن، اى من الجمهورية الاولى حتى الجمهورية الخامسة، محاولين ابراز تطور هذا النظام دستورياً وسياسياً، وكيف تقلب هذا النظام بين انظمة حكم ودساتير متعددة، فانتقل من الحكم الملكي الاستبدادي المطلق الى الجمهورية ثم الحكم الامبراطوري الديكتاتوري، وعاد مره اخرى الى الحكم الملكي المستنير فالى الجمهورية والامبراطورية مره اخرى، واستقر في النهاية على الحكم الجمهوري.
وشهد خلال فترة تطوره عدة ثورات رئيسية 1789- 1814- 1830-1848، وصراع مرير بين انصار الملكية والجمهورية والامبراطورية، نتج عنها صراع داخلي بين طبقات المجتمع وتدخل خارجي واحتلال لفرنسا من الدول المجاورة التي سعت لنصرة طرف على اخر حماية لمصالحها او خوف من امتداد الثورة اليها.
وخلال تطور هذا النظام حقق الشعب الفرنسي كثير من المنجزات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ورسخ مبادئ الحرية والديمقراطية والمساواة وحقوق الانسان والتي دونتها في دساتيره المختلفة، حتى اصبح اعلان حقوق الانسان والمواطن يحتل بداية دستور الجمهورية الخامسة.
وفي تناولنا لتطور النظام السياسي الفرنسي لم ننسى الاشارة الى دور الافكار والفلسفات في تطور هذا النظام والتي كان لرواد فلسفة التنوير (فولتير، منتسكو، روسو) الدور الاكبر في وضع الاسس وتحريض المواطنين للحصول على حقوقهم وحرياتهم، حيث امتد تإثير هذه الافكار الى خارج فرنسا والهمت شعوب كثيره للتحرر من الطغيان .
والمنهج الذ سنتبعه في هذه الدراسة هو المنهج التاريخي، والذي يعني استخدام المنهج الوصفي التحليلي على اعتبار اننا ازاء ظاهره تاريخية ممتدة لفترة ثلاث قرون تحتاج الى رصد الحدث ووصفه ثم تحليل الحدث ونتائجه على تطور النظام السياسي الفرنسي.
والدراسة مقسمه الى مبحثين رئيسيين :
المبحث الاول : من الثورة وحتى الجمهورية الخامسة (1789-1946) حيث عرضنا الى الثورة الفرنسية (اسبابها- نتائجها) ثم تتبعنا تطور النظام السياسي الفرنسي خلال الجمهوريات الاربعة التي تبعت الثورة، محاولين توضيح الانجازات التي تحققت
المبحث الثاني : الجمهورية الخامسة: ان الهدف من افراد مبحث خاص للجمهورية الخامسة كان بسبب الرغبه في عرض موسع لتفاصيل النظام السياسي الفرنسي الحالي (ظروف النشأة – السلطات العامه"تنفيذية- تشريعية-قضائية"- النظام الحزبي والاحزاب الرئيسية)
وفي النهاية لم ننسى ان نختم بخلاصه لهذه الدراسه موضحين دور الافكار والزعماء في تطور هذا النظام والتحديات الجديدة التي تواجهه وبالذات الدعوات العنصرية وميل جزء من الشعب الفرنسي الى الانغلاق والانكفاء على نفسه بما يخالف المبادئ التي قام عليها النظام. كما ان الازمة الاقصادية والظلم الاجتماعي الذين كانا من العوامل الرئيسية لقيام الثورة الفرنسية والتي عملت الدساتير المختلفه على وضع علاج لهما، نجد انهما لازالا حاضرين في الجمهورية الخامسة وبحاجه الى نظره جديدة من المفكرين والسياسيين لوضع الحلول الناجعه لها تماشياً مع المبادئ الذي ارساها النظام السياسي الفرنسي عبر تاريخه .

المبحث الاول
من الثورة حتى الجمهورية الخامسة (1789-1946)
تمهيد
فرنسا هي بلاد واقعة في أوروبا الغربية، وتتكون من مجموعة جزر وأراضٍ وراء البحار، وتمتد فرنسا من البحر الأبيض المتوسط إلى القناة الإنجليزية وبحر الشمال، ومن نهر الراين إلى المحيط الأطلسي، وبسبب شكلها تعرف فرنسا من قبل الفرنسيين "بالسداسي". وهي مجاورة للمملكة المتحدة، بلجيكا، لوكسمبورغ، ألمانيا، سويسرا، إيطاليا، موناكو، أندورا، وإسبانيا. وتشترك الجمهورية الفرنسية في حدود الأرض أيضاً في الخارج مع البرازيل، سورينام، وجزر الأنتيل الهولندية. وفرنسا هي إحدى الأعضاء المؤسسين للاتحاد الأوربي، وهي الأكبر مساحة من بينهم وعضو مؤسس للأمم المتحدة وإحدى الأعضاء الدائمين الخمسة لمجلس الأمن، وهي أيضاً إحدى البلدان الثمانية المقرة بالقوة النووية.
وقد جاء الاسم فرنسا من إمبراطورية الفرنجة، القبيلة الجرمانية التي احتلت المنطقة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، وبالتحديد المنطقة حول باريس التي كانت مركز السيادة الملكية الفرنسية. وغالبية السكان من الفرنسيين ويعتنقون الديانة المسيحية الكاثوليكية. وتحتل فرنسا الحالية أغلب المساحة التي قامت عليها بلاد غالة التي أصبحت مقاطعة رومانية ثم جاءت القبائل الجرمانية إلى المنطقة حوالي القرن الرابع للميلاد واستقرت فيها احدى هذه القبائل والمعروفة باسم الفرنجة، ومع زوال الإمبراطورية الرومانية أعطت هذه القبيلة اسمها للبلاد (فرنسا) فيما بعد.
توحدت المنطقة التي تشملها فرنسا اليوم لأول مرة سنة 486 م عندما قام الملك كلوفيس الأول بلم شمل القبائل الجرمانية تحت لواء قبيلة الفرنجة وضمت المملكة الجديدة قبائل عدة، وبعد الوحدة انشطرت المملكة (والتي كانت تسمى بلاد غالة) إلى ممالك، حكم كل منها أحد أبناء عائلة الميروفنجيين، ثم حلت سلالة الكارولنجيين محل الميروفنجيين منتصف القرن الـ8 للميلاد وقامت بتوسعة أراض المملكة، ثم أصبحت إمبراطورية عندما قام البابا ليو الثالث بتتويج شارلمان امبراطوراً عظيماً على الرومان في عام 800م . وبعد موت الأخير قسمت مملكته من جديد ولكن في عام 842 م قام أحفاد شارلمان بالتوقيع على وثيقة حلف ( شتراسبورغ)، حيث يعتبر بعض المؤرخين في فرنسا هذه الوثيقة عقد الميلاد الرسمي لبلاد فرنسا (و ألمانيا كذلك). وقد حكم أبناء شارلمان أو الكارولنجيون مملكة الفرنجة حتى سنة 987 م. وفي هذه السنة تم تتويج الدوق هوغ كابيت ملك للبلاد وحلت بذلك سلالة جديدة هي سلالة الكبيسيون، حيث قام أحفاد الأخير بتوسيع رقعة الأراضي الملكية وأحكموا دعائم الدولة الجديدة ومنذ القرن الـ12 م. حكمت السلالة الكبيسية فرنسا بطريقة مباشرة أو عن طريق فروع أخرى حتى قيام الثورة الفرنسية سنة 1789 م.
عصر التنوير
لا يمكن الحديث عن الثورة الفرنسية وبداية نشؤء النظام السياسي الفرنسي الحديث بدون الحديث عن عصر النهضة وحركة الاصلاح الديني بشقيه (الكاثوليكي والبروتستانتي) وما احدثته من تغيير جوهري في التكوين الاوروبي على كافة الصعد بعد فترة حروب دينية دامية ادت الى تقلص نفوذ الكنيسة الكاثوليكية والدعوة الى التسامح الديني وظهور النزعات القومية التى سعت للتحررمن قبضة روما، نتيجة لظهور كثير من المفكرين والفلاسفه الذين بدؤوا يخوضون في موضوعات فكرية وعلمية كانت ممنوعه من قبل الكنيسة. والواقع ان حركة التنوير لم تكن مرتبطة ارتباطاً دائماً بأية مدرسة فلسفية معينة، وانما كانت نتيجة الصراعات الدينية الدموية غير الحاسمة التي شهدها القرنان السادس عشر والسابع عشر، مما دفع كثير من الفلاسفة والمفكرين الى الدعوة الىالتسامح الديني، حيث كان هذا المبدأ مستحباً عند لوك وسبينوزا, وفي الوقت ذاته كان لهذا الموقف الجديد في مسائل الايمان نتائج سياسية بعيدة المدى. ذلك لانه كان لابد من ان يقف في وجه السلطة الجامحة في اى ميدان. فحقوق الملوك الالهية لا تتمشى مع التعبير الحر عن الآراء حول الدين .
وفلسفة الأنوار هي حركة فكرية ظهرت في النصف الأول من القرن 18 وأعادت الاعتبار للعقل، وجعلت منه الموجه الأساسي للفكر منتقدة هيمنة الكنيسة والاستبداد ونادت بالحرية والمساواة، واعتمدت فكرة فصل السلطات (تشريعية، تنفيذية، وقضائية). ومن بين أهم ملامح هذا الفكر ما خلفه مونتسكيو في (روح القوانين) سنة 1748، وفولتير في (القاموس الفلسفي) سنة 1771، وجان جاك روسو في (العقد الاجتماعي) سنة 1762، حيث رفع هؤلاء جميعاً شعارات عن المساواة والاخوة والحرية، وكان لهم أثر كبير في توجيه الأنظار بقوة الى ان النظام الملكي وتحكم الارستقراطية في ثروة البلاد أصبح نظاماً قديماً لا يليق بفرنسا .
ففولتير - الذي كان مزاجه فلسفياً- جاءت اغلب كتاباته الادبية فلسفية المنحى والتناول، واوقعته في صدام مع الملكية والاقطاع والكنيسة واعتقل بسببها مرتين وامضى من حياته خمسة عشر عاماً منفياً من باريس، وثلاثين سنه منفياً من فرنسا ، وعمل خلال كتاباته على توجيه انتقادات لاذعه لنظام الحكم في فرنسا ولطبقة الاكليروس (رجال الدين)، وطالب بتوحيد القوانين ومساواة الناس جميعهم ازائها، وبازالة كافة القيود المفروضة على حركة التجارة الداخلية وغيرها من القضايا التي عمل من خلالها على تقويض النظام بحيث اصبح الشعب الفرنسي يتطلع لنظام جديد يختلف كلياً عن النظام القديم الذي وصفه احد الاساقفه الفرنسيين بقوله: ان بيت الرب مخصص لثلاث فرق، الاولى تصلي فيه، الثانية تحارب فيه، الثالثة تعمل فيه" هكذا كان العالم المسيحي في العصور الوسطى الباكرة مقسماً الى ثلاث طبقات اجتماعية هي : رجال الدين، والنبلاء، وعامة الناس .
لقد كان النظام القديم يقوم على اساس الملكية المطلقة التي تحكم باسم (الحق الالهي) وان الملك هو الحاكم الاعلى المفوض من قبل الله، ومن ثم فلا بد للشعب ان يحترم الملك وان يطيعه ولا يتمرد عليه، ولكن ظهرت افكار الفيلسوف الانجليزي لوك حيث دعا الى تقييد سلطات الملك واعطى الشعب الحق في الثورة اذا تجاوز الملك حدوده . وقد انتقلت هذه الافكار الى فرنسا وكان داعيتها – ولكن بشكل معدل- مونتسكو الذي حاول ان يضع امام الناس نظاماً يقوم على اساس احترام حرية الفرد ويقيد سلطات الحاكم، ويربط عمل الحكومة بمصلحة الشعب ككل لا بمصلحة الملك والارستقراطية. وهذا النموذج هو ما كان الشعب يبحث عنه ويريده. حكم يقوم على اساس الحرية واساسه الدستور والبرلمان المنتخب والملك المقيد السلطات .
واذا كان فولتير قد هز كيان النظام القديم، فها هو منتسكيو يضع نظاماً بديلاً لذلك النظام القديم. اما رسو فقد ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، فهو يرى ان الافراد الذين يكونون مجتمعاً انسانياً يفعلون ذلك بمقضى عقد اجتماعي فيما بينهم ويجدون انه لكي تستقر الامور في مجتمعهم يجب ان تكون هناك سلطة عامه او ارادة عامة يخضعون جميعاً لها ويساهمون فيها على قدم المساواة، ومن هنا ظهرت الدولة على اساس العقد الاجتماعي الذي ابرمه افراد المجتمع. والحاكم هنا يحكم بصفته وكيل عن الامه وعليه ان يلتزم بما تريده الامة. واذا انحرف عن ذلك عزل من منصبه. ومن ثم فرسو ينكر أن يكون هناك حاكم يستمد سلطاته من مصدر غير الأمة، وبذلك حطم نظرياً النظام القديم ورفع من شأن الفرد، وجعل المساواة اساس المجتمع، ولهذا كان في نظر رجالات الثورة الفرنسية نبيها والداعي لها .
الثورة الفرنسية
كان عصر التنوير في جوهره عودة الى تقدير النشاط العقلي المستقل، يستهدف –بالمعنى الحرفي- نشر النور حيث كان الظلام يسود من قبل ، وبهذا العصر تفتتح الثورة الفرنسية عام 1789 صفحات من التجارب الدستورية لم تتح لاية دولة في العالم في تاريخها الحديث وقد بلغ غنى هذه التجارب ان فرنسا عرفت خلال هذه الحقبة نحواً من عشرين دستوراً وطبقت منها عشرة دساتير ودام واحد منها (دستور 1875) خمسة وستون عاماً وتقلبت خلال ذلك كله بين الملكية والجمهورية والامبراطورية وبين النظام الرئاسي والتأسيسي والنيابي، على انها خلا ذلك كله أيضاً كانت ما تنفك تنشد مثلً أعلى في الديمقراطية على ضوء تجربة جديدة، وكانت كل تجربة ولو فشلت تخلف آثارها .
لقد شكلت الثورة الفرنسية تحولاً أساسياً في التاريخ الفرنسي والأوربي وفي إقرار الديمقراطية وحقوق الإنسان، فهي حدث تاريخي مهم بدأ على شكل انقلاب سياسي في فرنسا(1789) وأثر في العالم كله. ويختلف المؤرخون كثيراً في أسبابها، فيرى بعضهم أنها حركة عقلية نشأت من حركة الاستنارة الحرة في القرن الثامن عشر، ويرى آخرون أنها ثورة الطبقات المحرومة من الامتيازات ضد الطغيان الاقطاعي، ويرى غيرهم أنها توطيد لسلطة البورجوازية الرأسمالية الحديثة ضد نظام اقتصادي واجتماعي مقيد وعتيق. وقد تعددت أسباب ومراحل الثورة الفرنسية ويمكن اجمال اسبابها في الآتي:
1 ـ الإطار الفكري والأسباب السياسية: عرف القرن 18م بفرنسا قيام حركة فكرية تميزت بنبذ اللامساواة، ونشرت أفكار جديدة تنتقد النظام القديم وامتيازات النبلاء وتعصب رجال الدين، ولذا سميت هذه الفترة بعصر الأنوار. فقد تميز نظام الحكم في فرنسا قبل الثورة باستحواذ الملك والنبلاء والإكليروس (رجال الدين) على الحكم في إطار ملكية مطلقة تستند إلى التفويض الإلهي مع عدم وجود دستور يحدد اختصاصات السلطات.
2 – الأسباب الاقتصادية: اعتمدت فرنسا على النشاط الزراعي، حيث استحوذ رجال الدين والنبلاء على أخصب الأراضي وفرضوا على الفلاحين كل أشكال السخرة والضرائب رغم توالي مواسم زراعية رديئة منذ سنة 1786كما عانت الصناعة الناشئة من منافسة البضائع الإنجليزية، مما ادي الى خواء خزينة الدولة.
3 - الاسباب الاجتماعية: تشكل المجتمع الفرنسي من ثلاث طبقات متفاوتة، أهمها رجال الدين والنبلاء المتميزة بكافة الحقوق، أما الطبقة الثالثة التي تمثل 96 % من السكان فتشكلت من الفلاحين الصغار والفئات الشعبية والبورجوازية التي كانت غنية وطموحة لكنها محرومة من المشاركة السياسية.
محاولات الإصلاح: عين الملك مراقبين إصلاحيين حاولوا سن إصلاحات تهدف القضاء على العجز المالي منها اللامساواة في فرض الضرائب وجعلها على أساس الأرض وليس حسب الأشخاص وتوحيدها في كل فرنسا، ثم رفع الحواجز الجمركية، وتحرير تجارة الحبوب، وجعل تقلد المناصب من طرف كل الرعايا، حيث أثارت هذه الإصلاحات ردود فعل الأرستقراطية التي امتنعت عن تطبيقها ورفضت أداء الضرائب وقامت بمظاهرات طالبت بانعقاد الهيئات العامة باعتبارها المؤسسة العليا للبث فيها.
مراحل الثورة الثورة الفرنسية: دامت الثورة الفرنسية عشر سنوات، ومرت عبر ثلاث مراحل أساسية:
1. مرحلة إقامة ملكية دستورية (1789-1792):أمام الأزمة المالية والإصلاحات المقترحة ومطالبة الهيئات بجمع المجلس اضطر الملك إلى عقد هذا المجلس 5 مايو 1785 وكان كل طرف فيه يسعى إلى تحقيق هدف من جمعه: فالنبلاء والإكليروس كانوا يرغبون بالتصويت بواسطة الهيئة الثالثة (ممثلي عامة الشعب) لإلغاء محاولة الإصلاح، والهيئة الثالثة تطالب بتصويت الأفراد لأنها تتوفر على أكبر عدد منهم. اما الملك فيهدف إيجاد حل للأزمة بزيادة الضرائب. وتشبث كل طرف برأيه، فأعلنت الهيئة الثالثة انسحابها من المجلس وتأسيسها الجمعية الوطنية 17 يونيو1789 واحتلال سجن الباستيل، وإلغاء الامتيازات الاقطاعية، وإصدار بيان حقوق الإنسان ووضع أول دستور للبلاد.
فحكومة فرنسا الملكية بعد ان افلست وخوت خزائنها في سنة 1789 لجأت الى دعوة البرلمان الذي لم يدع الى الانعقاد منذ 1614، سعياً الى كسب موافقته على فرض ضرائب جديدة. ولكنها بعملها هذا حشدت تحت قبة البرلمان كل من آمنوا بآراء (رسو) وتعاليمه فأسفر هذا الحشد عن قيام "الجمعية الوطنية" . ولكن الملك اعلن عدم الاعتراف بالجمعية الوطنية وحاول استعمال القوة مما ادى الى انفجار الثورة في باريس وتكوين حرس وطني ومهاجمة البلدية ومخازن الأسلحة وكذا مهاجمة سجن الباستيل وتحرير معتقليه في 14 يوليو 1789 . وفي الأقاليم امتنع الناس عن دفع الضرائب وقاموا بمهاجمة القصور والأديرة، مما ادى الى انتشار دعر كبير. وتخوف قادة البورجوازية من إفلات الزمام من أيديها فجمعت الجمعية الوطنية لإصدار عدة قرارات في اغسطس 1789 اهمها إلغاء النظام الاقطاعي, إلغاء الضرائب والأعشار, كما تبنت الجمعية الوطنية إعلان حقوق الإنسان والمواطن في 26 اغسطس1789 (الحرية- الأمن- الملكية الفردية محاربة الظلم- مقاومة الظلم- حرية التعبير- حرية التدين- المساواة- المساهمة في إعداد القانون- حق الوصول إلى المناصب العليا- الحد من سلطات الملك- السيادة للأمة- وضع دستور يفصل بين السلطات، حيث كان رد الملك إيجابيا على هذه القرارات بسبب الضغط الشعبي فوافق عليها في نوفمبر 1789.
وفي عام 1791 تم وضع دستورجديد صادقت عليه الجمعية الوطنية ويتضمن مبدأ انتخاب كل الهيئات باستثناء الوزراء، ولكن يقصر الانتخاب على المواطنين الفاعلين، وجعل السلطة التشريعية في يد الجمعية الوطنية، والسلطة القضائية في يد قضاة منتخبون، اما السلطة التنفيذية ففي يد الملك والوزراء. وقد صادق الملك بمقتدى الدستور وأقسم اليمين على احترامه يوم 3 اغسطس 1791 وبذلك قامت ملكية دستورية أصبح فيها القانون فوق الملك. ولكن الملك عجز عن التكيف مع الأوضاع الجديدة ودبر محاولة الهرب بتنسيق مع قوات أجنبية لكن أمره انكشف، فنتج عم ذلك إعلان الحرب ضد الأجنبي،وثم القبض على الملك في اغسطس1792..
المرحلة 2 (بين 10 اغسطس 1792 و يوليو 1794 (قيام نظام جمهوري (الاولى)
بعد القبض على الملك ثم في سبتمبر 1792 أنشاء المؤتمر الوطني لإعداد دستور جديد وضم تيارين، المعتدلون وهم يرغبون في إيقاف مسلسل الثورة، والمتشددون وهم بورجوازيون صغار تبنوا أفكار عامة الشعب أبرزهم روبسبير حيث اتفقوا جميعا على إلغاء الملكية ولكنهم اختلفوا حول مصير الملك لكن فريق روبسبير تغلب وأعدم الملك في 21 يناير1793، واعلنت الجمهورية، حيث أثار ذلك سخطا داخليا وخارجيا ضد الثورة, انضاف إلى المشاكل الاقتصادية ( قلاقل واضطراب المدن والبوادي بسبب الوضعية الاقتصادية). وفي يونيو 1793 اعتقل قادة المعتدلون وأصبح المتشددون مسيطرين على المؤتمر وأعدوا دستورا جديدا أعطى حق التصويت لكل المواطنين وأسسوا حكومة ثورية بزعامة روسبير أصدرت عدة قرارات أهمها وضع حد أعلى للأسعار وحد أعلى للأجور وقانون المشتبه بهم الذي ارتبطت به أفظع أهوال الثورة الفرنسية، مما اثار دعر كبير في فرنسا نتج عنه تحرك بعض البورجوازيين في المؤتمر الوطني ضد روسبير الذي أصبح دكتاتورا مطلقا، وحاولوا اغتياله ولكن المحاوله فشلت، ولم يكد يمضى شهر حتى تآمروا عليه مره اخرى واقتيد الى السجن, وحكم عليه بالاعدام لتقطع رأسه على المقصلة كما قطع هو نفسه آلاف الرؤوس من قبل.
المرحلة 3 (27 يوليو 1794-9 نوفنبر 1799 (عودة المعتدلون إلى الحكم:
بعد التخلص من روسبير وضع حد للرعب او لحكم الارهاب وتمت العودة إلى الحرية الاقتصادية ووضع دستور جديد للجمهورية وأسست (حكومة الادارة) لتفادي العودة إلى الديكتاتورية ووزعت السلطة بين الجمعية الوطنية ومديرين يسيرون الحكومة. ولكن برزت عدة صرا عات أظهرت حكومة الإدارة ضعيفة ولم تستطع مواجهة المشاكل الخارجية والداخلية فلجأت البورجوازية إلى الجيش. وفي 9 نوفنبر 1799 نظم الجنرال نابليون بونابرت انقلاب بمساعدة أحد المديرين وبذلك انتهت تجربة الجمهورية الاولى وانتهت أيضا الثورة الفرنسية .
نتائج الثورة الفرنسية:
1 ـ النتائج الساسية: حل النظام الجمهوري بدل الملكية المطلقة، وأقر فصل السلط وفصل الدين عن الدولة والمساواة وحرية التعبير ووضع حد للاستبداد وثم وضع دستورجديد واعلان حقوق الإنسان وتوحيد فرنسا سياسيا و اقتصاديا وإداريا ولغويا.
2 ـ النتائج الاقتصادية: تم القضاء على النظام الاقطاعي، وفتح المجال لتطور النظام الرأسمالي وتحرير الاقتصاد من رقابة الدولة وحذف الحواجز الجمركية الداخلية، وأصبحت الميزانية تقترح من طرف الحكومة ويصادق عليها البرلمان.
2 ـ النتائج الاجتماعية: تم إلغاء امتيازات النبلاء ورجال الدين ومصادرة أملاك الكنيسة، كما أقرت الثورة مبدأ مجانية وإجبارية التعليم والعدالة الاجتماعية وتوحيد وتعميم اللغة الفرنسية وانفصلت الكنيسة عن الدولة وأصبح الطلاق مباحا والقضاء مجاني وهو من مهام الدولة.
واذا كان لنا ان نقيم الثورة الفرنسية فانه يمكن القول بانها مثلت تحولا كبيرا في تاريخ فرنسا الحديث، وأثرت في باقي المجتمعات الأوربية، هذا بالرغم من انها غرقت في دماء الارهاب وظلماته الا انها اورثت القرن التاسع عشر الحرية والمساواة والاخاء، لتقوم فيما بعد على اسس امتن من تلك التي عجز الثائرون عن اقامتها .
نابليون والإمبراطورية (1799-1814):
قام نابليون بونابرت بالانقلاب على (حكم الادارة) في 9 تشرين الأول عام 1799، ليصبح بعدها الامبراطور نابليون الأول، حيث ثم وضع دستور جديد جعل من نابليون كل شئ وارادته هي العليا، حيث طرح هذا الدستور على الشعب فاقره بالاكثرية نظراً للشعبية التي احاطت بالقائد بونابرت بسبب انتصاراته على الجيوش المعادية في المعارك التي قادها. وحاول نابليون الحصول على مزيد من الصلاحيات بتعديل الدستور حيث استفتى الشعب مره اخرى لاستحداث امبراطورية ارثية فوافق الشعب على ذلك، وفي عام 1908 عدل الدستور تعديلاً جديداً فالغي منه مجلس القضاء، وحاول نابليون ان يجعل الدستور يقوم على اساس الامبراطورية التمثيلية المتحررة وطرح هذا التعديل للاستفتاء ولكن معركة واترلوا افشلت ذلك وانتهى حكم نابليون، ولكن اثره على فرنسا واوربا ظل باقياً، حيث اتبع نابليون سياسة فتوحات عسكرية.وإعادة تنظيم إداري، قانوني وتعليمي مازال معمول به جزئياً حتى اليوم في فرنسا، كما ان انتصاراته نشرت مبادئ الثورة، وفي ذات الوقت بعثت من مرقدها الروح القومية في الشعوب التي قهرها نابليون .
1814 وعودة الملكية (لويس الثامن عشر)
بعد هزيمة نابليون في معركة الأمم عام 1813م ثم احتلال باريس في 21 مارس عام 1814م وأبعد نابليون إلى المنفى وأعيدت العائلة المالكة إلى العرش حيث نصب لويس الثامن عشر ملكاً على فرنسا، ولكن لم تمض فترة طويلة حتى تدهورت شعبيته لأنه ارتد عن منجزات الثورة والتفّ حوله كل المعادين للثورة الفرنسية ومبادئها وهذا مهد الطريق لعودة نابليون بعد تمكنه من الهرب من السجن، حيث هرب لويس الثامن عشر خارج البلاد فهب الحلفاء مرة أخرى لنجدته وهزموا جيش فرنسا في معركة واترلو عام 1815م، وأبعد نابليون عن فرنسا واعادوا لويس الثامن عشر الى الحكم مره اخرى. واصبح الحكم يقوم على عهد ومنحه من الملك للشعب يتم بمقتضاه انشاء سلطة تشريعية، ولهذا فان من اهم انجازات هذه الفترة هو انه لاول مره يسمح بقيام النظام النيابي وسيره في فرنسا اذ قبل ذلك لم تعرف فرنسا غير أنظمة قائمه على فصل السلطات .
وهكذا لم يستطع لويس الثامن عشر أن يعود بفرنسا إلى العهد القديم بشكل كامل لأن الفرنسيين بعد أن تعودوا على بعض المكتسبات وذاقوا طعم الحريات ودفعوا ثمنها من دمائهم أثناء الثورة الفرنسية ما كانوا مستعدين للتراجع عنها، وهذا يعني أن الفرنسيين إذا كانوا قد قبلوا بعودة الملك لويس الثامن عشر إلى الحكم فإن ذلك كان على أساس أنه حكم ملكي دستوري لا ملكي إطلاقي أو استبدادي كما كان عليه الحال في السابق .
عهد 1830(شارل العاشر)
فى عام 1824 توفى لويس الثامن عشر وخلفه اخوه شارل العاشر الذي رفض النظام النيابي بالاضافة الى انه كان محافظا جدا وأراد تسليط سيف الرقابة على كل الجرائد والمطبوعات. فاندلعت ثورة عارمة في 1830 في وجهه اضطرته إلى الهرب من البلاد حيث انتهت الثورة الى ملكية دستورية تقوم على عهد جديد هو عهد 1830 الذي يختلف عن عهد 1814 بانه لم يكن منحه صدرت بارادة الملك الوحيد الطرف وانما هو عقد بين الملك الذي قبل به وبين الامه التي صوتت عليه بلسان ممثليها. وقد توسعت الحقوق المعترف فيها كحرية الصحافة والغاء الدين الكاثوليكي للدولة وكان عهد 1830 سبيلاُ لتقوية النظام النيابي في فرنسا .
الجمهورية الثانية ( 24/2/1848 ـ 2/12/1852).
تبدأ هذه المرحلة بثورة شباط 1848 بسبب النزاع بين الحكومة التي ابت توسيع حق الانتخاب وبين الرأي العام فكان ان قامت المظاهرات والاضرابات ونزل الملك عن العرش واعلنت الجمهورية. ورغم كل الصعوبات التي اعترضنها الا انها حققت بعض الانجازات واعتبر الاقتراع العام شرعيتها وتم في عهدها وضع دستور جديد في 4 نوفمبر 1848، الذي الغى عقوبة الاعدام وانُتخبت جمعية وطنية لمدة 3 سنوات, بالاقتراع العام, للذكور البالغين 21 عاما المتمتعين بحقوقهم المدنية والسياسية, كما انتخب رئيس الجمهورية, لويس نابليون بونابرت, لمدة 4 سنوات, بنفس الطريقة. دون أن يكون لأي منها سلطة على الآخر. وكانت ثورة 1848 جمهورية ديمقراطية واجتماعية ، وكانت نتيجه ضرورية لما تمخضت عنه الثورة الصناعية من اعطاء حق الانتخاب للطبقة الوسطى، وتدعيم الديمقراطية الحديثة التي تمثلت في طبقة جديدة- طبقة العمال- الذين ظلوا يطلبون المزيد من التمتع بالحقوق السياسية .
الإمبراطورية الثانية في 2 ديسمبر 1852 .
يعيد التاريخ نفسه في فرنسا فكما ان اول جمهورية فيها انتهت بالامبراطورية فان الجمهورية الثانية عام 1848 تنتهي بدستور عام 1852 ويقود هذا الدستور الى الامبراطورية ، بزعامة لويس نابليون شقيق نابليون الاول، والذي نفي سنة 1836 بسبب مشاركته النشطة ضد الملكية، ولكنه فر من منفاه وعاد إلى فرنسا في فبراير 1848بعد سقوط النظام الملكي وانتخب رئيسا للجمهورية الفرنسية الثانية لمدة أربع سنوات و لما شعر باستحالة انتخابه مرة ثانية دبر في ديسمبر 1852 انقلابا ضد الجمهورية، وأعلن النظام الإمبراطوري مسميا نفسه الإمبراطور نابليون الثالث .
وقد قاوم هذه المحاولة الانقلابية كثير من المفكرين والادباء كان على رأسهم فيكتور هيجو الذي وقف مدافعاً عن الحرية والديمقراطية، حيث عبر عن ذلك بقوله: " المشرع هو المعبّر الأعلى عن إرادة الأمة، وكل مقاومة من قبل السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية هو تدخل، وكل تعد من السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية هو جناية . ولم يكتف هوجو بالقلم, بل خرج إلى الشارع طالباً من الشعب أن يثور ضد من سمّاه بالطاغية، حيث كان هوجو وقتها قد عمل بالسياسة ووصل إلى رئاسة الحزب اليساري الاشتراكي، وحاول هو وأنصاره مقاومة هذا التغير لكن محاولتهم بائت بالفشل .
فبعد انقلاب رئيس الجمهورية لويس نابليون بونابرت وتنصيب نفسه إمبراطورا ليصبح اسمه نابليون الثالث, وزع السلطة التشريعية بين مجلس الدولة, المؤلف من موظفين, يعدون القوانين، والجسم التشريعي يناقشها ويصوت عليها, ومجلس الشيوخ يراقب دستوريتها. وقد سجل دستور 1852 العودة للمؤسسات الإمبراطورية مع البقاء على المبادئ الأساسية للثورة الفرنسية . وهذا هو النظام الرئاسي القوي لان صلاحيات الرئيس في دستور 1852 اوسع من صلاحيات رئيس الولايات المتحدة، ففي وسعه حل مجلس النواب وهو الذي يسمي اعضاء مجلس الشيوخ، وبذلك كان الحكم ديكتاتوريه قائمة بتصويت الشعب، وعلى هذا الاساس تحول النظام ثانية الى الامبراطورية .
الجمهورية الثالثة
في عام 1870م خاض نابليون الثالث الحرب ضد بروسيا، حيث فشل في الحرب فشلاً ذريعاً واستسلم ووقع في الاسر، وبذلك انهارت الإمبراطورية الثانية بعد أن تمكن البروسيون من محاصرة مدينة باريس العاصمة وخسرت فرنسا في النهاية مقاطعتي الألزاس واللورين. ومن رحم هذه الهزيمة انطلقت الجمهورية الثالثة التي قادت مسيرة العلمنة . ومع صعوبة ولادتها فقد كانت الأطول عمرا, وحسب البعض الأكثر عطاء وخصوبة من بين الجمهوريات الفرنسية. ولم يُقر دستورها بشكل نهائي إلا بعد 4 سنوات من قيامها، ووزعت القوانين الدستورية لعام 1875 السلطة التشريعية بين مجلس النواب المنتخبين لمدة 4 سنوات بالاقتراع العام, و مجلس الشيوخ المنتخب بالاقتراع غير المباشر لمدة 9 سنوات. وأصبحت صلاحيات المجلسين واسعة في مواد وضع القوانين, ومراقبة الحكومة, ومسؤوليتها أمامه. والواقع أن مجلس النواب هو الذي كان يمارس هذه السلطة. وأعطيت لرئيس الجمهورية سلطة حل المجلس .
وخلال الحرب الفرنسية الألمانية في الفترة من 1871 إلى 1875، كانت الجمعية الوطنية المنتخَبة آنذاك هي التي صوتت على دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا، الذي تم اعتماده بأغلبية صوت واحد فقط. كما أوكلت إليها مهمة التصديق على شروط الهدنة، بعد الهزيمة القاسية أمام الجيش الألماني. ومن المفارقات العجيبة التي اقترنت بوضع هذا الدستور ان واضعيه كانوا يتمنون انهياره في اقرب وقت، لان الكثرة الغالبة بين واضعيه من انصار النظام الملكي لا من انصار النظام الجمهوري، ولكنهم اختلوا حول تسمية الاسره الملكية التي ستتولى الحكم فقرروا القبول بنظام جمهوري مؤقت بأمل تغييره في اول فرصه بنظام ملكي، ولكن املهم تبدد بعد ان اصدر البرلمان الفرنسي في سنة 1884 قانوناً يحرم التقدم باقتراح تعديل دستوري يهدف الى الغاء النظام الجمهوري .
وهكذا عاد الحكم الديمقراطي الى فرنسا اعتباراً من 1875 ولا يكون هذه المره قصير العمر بل يستمر طويلاً امام اجتماع عاملين هما : الديمقراطية في ذاتها والنظام النيابي الى جانبها. اما من قبل فقد كانت توجد الديمقراطية من غير نظام نيابي كما حدث في الجمهوريتين الاولى والثانية او يوجد النظام النيابي من غير ديمقراطية كما هو شأن العهدين، عهد 1814 وعهد 1830. اما الان فسنرى الديمقراطية في ظل النظام النيابي تحقق في عهد الجمهورية الثالثة ما لن تستطع تحقيقه في ظل الجمعية التأسيسية عام 1793 ولا في ظل النظام الرئاسي عام 1848 ، حيث تم في عهدها إنشاء المدرسة العمومية العلمانية الإجبارية, واقرار حرية الصحافة والحرية النقابية وحرية إنشاء الجمعيات المدنية وثم فصل الكنيسة عن الدولة رسمياً، وشهدت الحركة الصناعية والتجارية ازدهاراً كبيراً، وبالرغم من ذلك فقد شهد عهد الجمهورية الثالثة عدم استقرار سياسي فكانت الحكومات لا تدوم طويلا، وتقلص دور البرلمان الذي كان يفوض غالبا اختصاصاته للحكومة.
الجمهورية الرابعة.
كانت الحرب العالمية الثانية سبباً في انتهاء الجمهورية الثالثة بعد هزيمة القوات الفرنسية على يد ألمانيا النازية التي قامت بتشكيل حكومة فرنسية (1940-1944) هي حكومة فيشي التي نصبوها في منطقة فيشي الواقعة في جنوب شرق باريس، حيث صوتت الجمعية الوطنية المؤلفة من اجتماع مجلس الشيوخ والنواب في فيشي على القانون الدستوري المؤرخ في 10 تموز 1940، وهو مادة وحيدة تنص على اعطاء كل سلطة الى حكومة المارشال بيتان تحت امرته وتوقيعه من اجل اصدار المقررات لوضع دستور جديد، حيث ان بيتان لم يعمل على اصدار دستور جديد بل اتخذ عدد من المقررات المؤقته التي انشأت حكماً مطلقاً في يده وعين سلطاته وهي تتناول سائر اعمال الحكومة . وبأمر النازيين حلت حكومة فيشي المجلس الوطني الفرنسي، وعينوا فيليب بيتان رئيساً لفرنسا وجوزيف دارناند رئيساً للمخابرات بعد أن أقسموا يمين الولاء لهتلر، حيث صدرت إليهم أوامر النازيين أن تكون أهم مهماتهم هي القضاء على المقاومة الفرنسية .
وفي هذه الاثناء كان الماريشال بيتان والجنرال ديغول يتنازعان الأقلية والأكثرية في فرنسا ويتبادلان تهم العمالة للأجنبي النازي المحتل بالنسبة للأول، والبريطاني بالنسبة للثاني وكانت الأكثرية الساحقة المنتخبة "ديموقراطيا" تقف إلى جانب بيتان الذي اختار التعامل مع الاحتلال لإنقاذ "فرنسا" وكانت الأقلية الضئيلة مع ديغول الذي اعتبر حكومة فيشي "فاقدة للشرعية" وأطلق من لندن نداء المقاومة الشهير في 18 حزيران 1940 يونيو لإنقاذ "فرنسا . وبدأ عهد المقاومه، حيث أنشأ ديغول تحت سلطته هيئات باسماء مختلفة آخرها الحكومة المؤقته في الجمهورية الفرنسية بارادة صدرت في الجزائر في 3 حزيران 1944 وانتقلت بعدها الحكومة الى الارض الفرنسية مع حملة التحرير وأقامت في باريس اعتباراً من نهاية آب 1944 بالاتفاق مع حركة المقاومة الداخلية .
بدأ عهد الجمهورية الرابعة رسمياً، بعد ان ثم وضع دستور جديد لفرنسا بعد انتخابات عام 1945 حيث اقر في 27 أكتوبر 1946، وقد رافق قيامها خلافات سياسية بين زعماء أحزابها وشخصياتها المعروفة، خاصة وان التحديات في مواجهتها كانت كبيرة, ومنها مسألة الاستعمار والحرب الفيتنامية, ثم الجزائرية، والبناء الأوروبي، والحرب الباردة، وإعادة بناء الاقتصاد، والخلاف على تقييم فشل الجمهورية الثالثة وتجنب الوقوع فيه, حيث أعاده البعض, إلى عدم وجود كاف للديمقراطية، والبعض الآخر ومنهم الجنرال ديغول عزاه إلى عدم تمتع السلطة التنفيذية بصلاحيات كافية، وعليه كان يجب لصياغة الدستور الجديد البحث عن الأسس القوية التي ستقوم عليها الجمهورية الوليدة .
ولعل ابرز النقاط التي جاء بها دستور 1946 هو الترجيح للجمعية الوطنية في حياة فرنسا السياسية، وازدياد سلطة رئيس الوزراء تلقاء رئيس الجمهورية وانشاء المحكمة العليا والمجالس الاستشارية واخيراً الاتحاد الفرنسي . ولهذا تكون البرلمان من مجلسين غير متكافئتين : الجمعية الوطنية ومجلس الجمهورية، حيث حلت الجمعية الوطنية محل مجلس النواب التي عرفتها الجمهورية الثالثة، وتتألف من 619 نائبا, بينهم 75 نائبا لما وراء البحار منتخبون لمدة 5 سنوات بالاقتراع العام المباشر، وتتمتع باختصاص تشريعي كامل وغير منقوص. فهي إلى جانب سلطة اقتراح القوانين, تجعل من مجال تطبيقها بالقوة غير محدود. كما حافظت على المفهوم الذي ساد الجمهورية الثالثة, وهو أن القانون هو التعبير الدائم عن الإرادة العامة وعليه فهو غير قابل للتقييد ولا للرقابة، ولم تكن الجمعية تعير اهتماما يذكر لمجلس الجمهورية .
ولان تلك المرحلة كانت فترة تناحر ايديولوجي مثقل بعبء البحث عن بداية جديدة إثر كارثة الغزو الالماني، فان تلك الجمهورية فشلت بمرور الوقت ان ترتقي لمستوى ما تتطلبه هذه البداية، حيث انعكس الصراع الحزبي على الشارع ثم على صورة البرلمان والحكومة المنبثقة عنه التي طالما كانت حكومة اضعفتها التوافقات كما التناحرات الحزبية في ظل فشل اي حزب بتحقيق اغلبية حقيقية يرتكن عليها لوضع البلاد على مسار واضح . فمنظومة الأحزاب حتى عام 1955م عرفت احزباً متعددة ضعيفة قليلة التنظيم تتجمع ضمن تحالفات هشة ومؤقتة وبصورة عامة موجهة نحو الوسط، حيث شكل الشيوعيون معارضة، كما شكل الجناح اليميني الجديد بزعامة ديجول معارضة أخرى للحكم، فتزعزعت الأحوال واستمرت كذلك خلال السنوات العشر التالية.
ورغم النقد الشديد للجمهورية الرابعة, فإنها استطاعت, الربط بين المشاريع الأساسية وهي تحديث الاقتصاد والسياسة الاجتماعية . فإلى جانب الديمقراطية التي جاءت بها جمهورية 1848, والعلمانية التي جاءت بها جمهورية 1880, أضافت هذه الجمهورية البعد الاجتماعي حيث حرص دستورها على وضع إعلان حقوق الإنسان والمواطن كاملا في مقدمته، وأضاف إليها حقوقا اجتماعية أخرى مثل حق العمل..الخ. وكانت الجمعية الوطنية في مركز اهتمامه محاولا موازنة العلاقات بين السلطات لتجنب عدم الاستقرار الذي عرفته الجمهورية الثالثة .

المبحث الثاني
النظام السياسي الفرنسي المعاصر
الجمهورية الخامسة 1958
النظم السياسية المعاصرة هي التي تقوم على مبدأ الفصل بين السلطات ويعتبر مبدأ الفصل بين السلطات المدخل الرئيسي لتحديد نوع النظام السياسي . وأساس هذا المبدأ هو توزيع السلطات وعدم تركيزها في يد واحدة بل توزيعها على شكل هيئات أو مؤسسات وفق الاختصاصات المنوطة بها فتتخصص السلطة التشريعية بالتشريع والسلطة التنفيذية في مهمة تنفيذ القانون وتقوم السلطة القضائية بتطبيق القانون وتقديم المشورات القضائية. ويرجع تقسيم هذه السلطات نظرياً الى كتابات (أرسطو) الذي استعرض فكرته عن الفصل بين السلطات في كتابه (السياسة) من حيث هي ضمان الحرية السياسية للفرد . وعبر عنها (مونتسكيو) بشكل النظام الذي يؤمن الحرية بصورة أفضل. وحسب اعتقاده فأنه النظام الذي تكون سلطاته منفصلة وتستطيع كل سلطة في حالة استثنائية إيقاف الأخرى.
ويهدف مبدأ الفصل بين السلطات وعدم تركيز وظائف الدولة في يد سلطة واحدة الى حماية المحكومين من استبداد الحكام وخاصة في الأنظمة الملكية المستبدة والسلطة المطلقة وقد أصبح هذا المبدأ اساساً لوضع الدساتير منذ ذلك الحين الى يومنا هذا، حيث يعتمد تصنيف النظم السياسية على وجود فصل نسبي بين السلطات من زاوية العلاقة الموجودة بين هذه السلطات. فإذا كانت العلاقة قائمة على أساس المساواة والتعاون فيسمى بالنظام البرلماني أما إذا كان الفصل بين السلطات قائماً مع رجحان كفة السلطة التنفيذية فيسمى بالنظام الرئاسي أما اذا كان النظام يقوم على أساس جمع السلطات بين الجمعية النيابية مع تفويض عدد من اعضائها بمباشرة مهام السلطة التنفيذية فيسمى بنظام حكومة الجمعية أو نظام الجمعية النيابية .
الدستور الفرنسي
يعتبر الدستور الوثيقة القانونية والسياسية الأسمى في الدولة، أو الإطار العام الذي يحدد نظام الدولة، وينظم عمل السلطات فيها، ويكفل حقوق الأفراد والجماعات، ويجسد تطلعات الشعب. ولهذا فإن أي تغيير أو تبديل يطرأ على البنية السياسية أو الاجتماعية يستتبع، حتماً، تبديل دستورها أو تعديله بما يتلاءم مع الأوضاع والظروف الطارئة أو المستجدة. ومما يسترعي انتباه الباحث في الدراسات الدستورية هي أن الدستور ليس فقط مجموعة من القواعد القانونية المدوّنة في وثيقة مكتوبة تتعلق بنظام الحكم في الدولة، وإنما هو أيضاً علية صياغة قانونية لفكرة سياسية استطاعت، في صراعها مع الأفكار الأخرى، أن تؤكد انتصارها بوصولها إلى السلطة وفرض فلسفتها واتجاهاتها كقواعد قانونية ملزمة .
وربما يكون هذا المفهوم للدستور ينطبق تماماً على الدستور الفرنسي الذي تقلب وتطور لعشرات المرات وجاء معبراً عن الافكار الفلسفية وملبياً حاجات الناس العادين في سعيهم نحو الحرية والكرامة والمساواة في الحقوق والواجبات. فكان في كل مرحلة يضيف مكتسبات جديدة للامه ويرسخ مبادئ سامية لا ينفك حتى يرنو الى افضل منها، وهذا ربما ما جعل البعض يعيبون علي النظام السياسي الفرنسي عدم الاستمرارية مقارنة بالنظم الديمقراطية الغربية الأخرى، غير آخذين في الاعتبار ان تاريخ فرنسا السياسي كان أكثر ثورية واضطرابا من غيرها، فقد اندلعت في فرنسا خلال نصف قرن ثلاث ثورات كبرى في الأعوام 1789، 1830، 1848وتعاقبت عليها منذ بداية القرن التاسع عشر خمس جمهوريات، لم يتعد عمر ثلاث منها بضع سنوات. وعرفت فرنسا طعم الهزيمة والاحتلال العسكري لأراضيها من جانب المانيا في الحرب العالمية الثانية والهزيمة العسكرية في معارك التحرير خارج أراضيها في فيتنام في العام1954والجزائر في العام 1962وكانت قاب قوسين او ادني من حرب أهلية مدمرة بسبب الموقف من قضية استقلال الجزائر، وقد اثرت هذه الأحداث جميعها في مسار النظام السياسي الذي تعاقبت عليه الدساتير في الأعوام 1804، 1814، 1852، 1875 ، 1946. وهكذا لم تعرف فرنسا الاستقرار النسبي منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى قيام الجمهورية الخامسة في العام 1958الا في فترة الجمهورية الثالثة ( 1870- 1940) .
دستور الجمهورية الخامسة 1958
تم إقرار دستور الجمهورية الخامسة عن طريق استفتاء عام يوم 28 سبتمبر 1958 م. ويحد هذا الدستور من صلاحيات الحكومة (السلطة التنفيذية) أمام البرلمان (السلطة التشريعية). ووفقا للدستور يتم انتخاب رئيس الجمهورية لعهدة مدتها خمس سنوات (كانت المدة 7 سنوات)، حيث يقوم الرئيس بفضل صلاحياته بالسهر على سير السلطات العمومية واستمرارية مؤسسات الدولة ويعين هذا الأخير رئيس الوزراء، كما يرأس اجتماعات الحكومة، ويقود القوات المسلحة ويبرم الاتفاقيات.
ودستور 1958 يعتبرالمجلس الوطني (الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ) السلطة التشريعية الأولى في البلاد، ويتم انتخاب نواب الجمعية الوطنية كل خمس سنوات، اما مجلس الشيوخ فيتم انتخاب اعضاءه كل 6 سنوات (كانت 9 سنوات). ولهذا المجلس صلاحيات محدودة، وفي حال اختلافه مع الجمعية الوطنية تعطى الأولية للجمعية. كما يحكم دستور الرابع من أكتوبر/تشرين الأول 1958 سير العمل في مؤسسات الجمهورية الخامسة، وهو دستور تمت مراجعته عدة مرات، وقد أجريت عليه التعديلات التالية: انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر (1962)، إدراج باب جديد يتعلق بالمسؤولية الجنائية لأعضاء الحكومة (1993)، العمل بنظام الدورة البرلمانية الواحدة، توسيع نطاق الاستفتاء العام (1995)، أحكام وقتية انتقالية تتعلق بوضع كاليدونيا الجديد (1998)، إنشاء الاتحاد الاقتصادي والنقدي، تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تبوء المناصب والمهام الانتخابية، الاعتراف بالمحكمة الجزائية الدولية كهيئة قضائية (1999)، تخفيض مدة الولاية الرئاسية (2000)..

السلطة العامة
في الجمهورية الخامسة

نعرف تاريخياً وتقليدياً ان سلطات الحكم موزعة الى ثلاث: تشريعية (صنع القوانين) تنفيذية وقضائية، وهذه التقسيمات تعكس نواحي او جوانب معينه مما يجري في علم السياسة . ووظائف الدولة بما يترتب على ذلك من وجود ثلاث سلطات عامة في الدولة وهى السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية
السلطة التنفيذية:
يقصد بالسلطة التنفيذية تلك السلطة التي تتكون من الاشخاص الذين يقومون بتنفيذ القوانين وحفظ الامن وادارة المصالح العمومية فيدخل فيهم والحالة هذه رئيس الدولة الذي هو رئيس السلطة التنفيذية والوزراء والموظفون المدنيون والعسكريون . وهي ايضاً الموكل اليها وضع السياسة العامة للدولة، واستصدار التشريع اللازم لاجازة هذه السياسة من البرلمان وتكون بصفة عامة مسئولة امام الشعب .
اولاً : رئيس الجمهورية :
يعد رئيس الدولة الممثل الأسمى للدولة في علاقاتها الخارجية، فهو الذي يجسد سيادتها بغض النظر عن اللقب الذي يحمله (ملكا أو رئيسا أو أميرا...)، ورئيس الدولة هو الذي يعبر عن إرادة الدولة لأنه يعتبر رمزا لها ، لذلك فإن العرف والقانون الدوليين يخصانه بامتيازات وحصانات خاصة ويتمتع بالتقدير والاحترام اللائقين بمكانته أثناء تنقلاته الرسمية خارج دولته. ودستور الدولة هو الذي يحدد وينظم اختصاصات وصلاحيات رئيس الدولة في مجال السياسة الخارجية بغض النظر عما قرره العرف الدولي من صلاحيات هي من حيث المبدأ مرتبطة بوظيفته على رأس الدولة، كقبول أوراق اعتماد سفراء الدول الأجنبية،أو التصديق على الاتفاقيات الدولية، غير أن هناك أنظمة دستورية تعطي لرئيس الدولة سلطات واسعة .
ففي فرنسا إضافة إلى الدور التقليدي لرئيس الدولة في مجال الاتفاقيات (التفاوض/التصديق) فإن الدستور خصص مقتضيات متعددة تبين دوره المهم في إدارة العلاقات الخارجية وقد تقوى هذا الدور أيضا باختصاصاته في مجال الدفاع. وبغض النظر عن روح الدستور فإن الشخصية الاستثنائية للجنرال ديغول وإلحاق الشؤون الخارجية بـ المجال المحفوظ لرئيس الجمهورية، قد طبعت وظيفة رئيس الدولة، وحافظ خلفاؤه على هذا التقليد الذي تجسد في تراجع نسبي لدور وزير الخارجية . وهذه الصلاحيات المحفوظة قد ظهرت منذ وصول ديغول إلى الحكم( 1958-1969 ) للتعبير عن ممارسة اتبعها في ميدان السياسة الخارجية، فقد كان يعتبر أن هذه الممارسة هي التي تعكس الدور الفعلي لرئيس الدولة، وبالتالي، هي التي تكون لها الأولوية في صلاحياته ويكرس لها كل جهوده وطاقاته دون رقابة من أي جهة أخرى. وقد تجلت هذه الممارسة في مجال السياسة الدفاعية خاصة في ما يتعلق بالمجال النووي والعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وقضية الجزائر. وقد اتبع الرئيس فرانسوا ميتران(1981-1995) هذا النهج وإن كان لم يصل إلى المستوى الذي بلغه في عهد ديغول .
نظام رئاسي (شبه رئاسي)
منذ 1958 م ومع قيام الجمهورية الخامسة أصبح للبلاد نظام رئاسي ديمقراطي كان الهدف منه هو الصمود في وجه العواصف التى عرفتها البلاد من قبل والتي لم يفلح نظام الجمهورية البرلمانية في صدها . حيث ظهرت زعامة فرنسية كارزمية تمثلت بشخص شارل ديغول تحملت مسؤولية مواجهة التفكك السياسي بدون مصادرة الديمقراطية او الانقضاض عليها، فانبثقت الجمهورية الخامسة كشكل جديد لنظام الحكم في اوروبا نجح بتجاوز هيمنة البرلمان المفكك وما ينتجه من حكومة هشة دون ان يذهب الى حد خلق نظام خاضع تماما لهيمنة الرئيس كما هو حاصل في بعض الانظمة الرئاسية، ولذلك اصطلح على هذا النظام الجديد بالنظام شبه الرئاسي او شبه البرلماني وكلاهما يعبر عن حقيقة انه نظام وسط بين الرئاسي والبرلماني حيث يتم انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة من الشعب مما يمنحه تخويلا ديمقراطيا يعزز من سلطته كرمز للوحدة ومالئ للفراغ الذي قد ينتج عن وجود برلمان فاقد لأغلبية حاسمة، ومنذ ذلك الوقت كان النظام اكثر استقرارا وفاعلية .
انتخاب رئيس الجمهورية
بعد عودة الجنرال "شارل ديجول" إلى الحكم في فرنسا عام 1957م بعد سقوط حكومة "جي موليه" إثر العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956م، سقطت الجمهورية الفرنسية الرابعة وأُقر دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة بالاستفتاء في 4 أكتوبر 1958م، وبمقتضاه سيتم انتخاب الرئيس بطريقة مباشره خلافاً للنظام السابق الذي لم يكن رئيس الجمهورية منتخبًا من قِبَل الشعب مباشرةً في اقتراع سري مباشر، بل من جانب هيئة ناخبة منتخَبة مباشرةً من جانب المواطنين، وقد عنى ذلك في الممارسة العملية أن الرئيس لم يكن يحظى بالشرعية الديمقراطية، ولم يكن يمثل الإرادة الوطنية العامة التي تعبر عنها جموع المواطنين، في الوقت الذي تحظى فيه الجمعية الوطنية بهذه الشرعية الديمقراطية. وكان الرئيس- وفق هذا النظام- يحظى بشرعية شكلية وإسمية، لأن الحكومة مسئولة أمام البرلمان، وبمقدوره حجب الثقة عنها، بيد أن هذه الأوضاع كانت لها استثناءات واضحة فيما يتعلق بحالة الجنرال "ديجول"، حيث كان يحظى بمصادر شرعية تتجاوز الشرعية الديمقراطية التي تحظى بها الجمعية الوطنية لدوره في الحرب العالمية الثانية وعلاجه للقضية الجزائرية .
وهكذا فإن فرنسا قبل ان تعلن فيها الجمهورية الخامسة على يد "ديجول" كان رئيس الجمهورية لا يملك من السلطة التنفيذية الا الاسم. اما السلطة الفعلية فكانت في يد الوزارة . ولكن في عام 1962م اقترح الجنرال "دي جول" تعديلاً دستوريًا أُقر بالاستفتاء في 28 أكتوبر من ذلك العام، وينص على وجوب انتخاب المرشح لشغل منصب رئيس الجمهورية في اقتراع سرِّي مباشر من قِبَل جميع المواطنين الذين لهم حق التصويت. وعندما اقترح "دي جول"هذا التعديل الدستوري لم يكن يفكر في وضعيته الرئاسية بقدر ما كان يفكر فيمن سيخلفه في هذا المنصب؛ حيث كان يريد تدعيم وضعية رئيس الدولة وتعزيز شرعية الديمقراطية، ولم يكن هذا ممكنًا دون أن يكون متمتعًا بموافقة الإرادة الوطنية العامة التي يعبرعنها المواطنون في انتخاب سرِّي مباشر لمن يشغل منصب رئيس الدولة. وكان من نتائج هذا التعديل وبعد تطبيقه للمرة الأولى في انتخابات العام 1965م الرئاسية- التي فاز فيها "دي جول"- أن الجمعية الوطنية لم تعد تحتكر تمثيل الإرادة الوطنية أو الشرعية، بل أصبح الرئيس أيضًا يحظى بهاتين الدعامتين، بل ولم يعد النظام السياسي برلمانيًّا كما كان قبل هذا التعديل، بل أصبح نظامًا برلمانيًا مطعمًا بعنصر رئاسي، يحظى فيه الرئيس بصلاحيات واسعة جدا. في الدفاع والأمن، والشئون الخارجية. فهو رئيس الدبلوماسية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الذي يعيِّـن ويقيل الحكومة ورئيسها . وله الحق بإجراء الاستفتاء، وإعلان حالة الطوارئ ، وهي صلاحيات تقربه من مركز "الرئيس الأمريكي" في النظام السياسي المعمول به في الولايات المتحدة ،
صلاحيات الرئيس الفرنسي
إن دستور الجمهورية الخامسة يمنح الرئيس العديد من الصلاحيات, فهو الذي يعين رئيس الوزراء, ويعفيه من منصبه بناء على تقديمه استقالة الحكومة. وبناء على اقتراح رئيس الوزراء يعين رئيس الجمهورية باقي أعضاء الحكومة ويعفيهم من مناصبهم ( مادة 8), كما يرأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء, ويصدر رئيس الجمهورية القوانين في خلال خمسة عشرة يوما التالية على إحالة القانون, الذي تم إقراره بصفة نهائية, إلى الحكومة, ولرئيس الجمهورية, قبل انقضاء هذه المدة, أن يطلب من البرلمان إجراء مداولة جديدة في القانون أو في بعض مواده, ولا يجوز رفض هذه المداولة الجديدة( مادة10). كما أن لرئيس الجمهورية أن يطرح للاستفتاء كل مشروع قانون يكون متعلقا بتنظيم السلطات العامة أو بإصلاحات خاصة بالسياسة الاقتصادية أو الاجتماعية للأمة أو بالمرافق العامة التي تسهم في هذه السياسة, أو يهدف إلى الإذن بالتصديق على معاهدة قد يكون لها, دون أن تكون مخالفة للدستور, تأثير على عمل المؤسسات. وعندما يجري تنظيم الاستفتاء بناء على اقتراح الحكومة, فعليها تقديم بيان أمام كل مجلس تعقبه مناقشة. وإذا ما أسفر الاستفتاء عن إقرار مشروع القانون يقوم رئيس الجمهورية بإصداره خلال الخمسة عشرة يوما التالية على إعلان نتيجة الاستفتاء( مادة 11)
ولرئيس الجمهورية, بعد مشاورة رئيس الوزراء ورئيسي المجلسين, ان يعلن حل الجمعية الوطنية وتجري الانتخابات العامة في اليوم العشرين على الأقل, والأربعين الأكثر, من تاريخ الحل ( مادة 12). كما يوقع رئيس الجمهورية على المراسيم والأوامر التي يقرها مجلس الوزراء. ويتولى التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية للدولة( مادة 13) كما يعتمد رئيس الجمهورية السفراء و المبعوثين فوق العادة لدى الدول الأجنبية, كما يتولى رئيس الجمهورية اعتماد السفراء والمبعوثين فوق العادة الأجانب لديه ( مادة 14) ورئيس الجمهورية هو قائد القوات المسلحة. وهو يرأس المجالس واللجان العليا للدفاع الوطني.( مادة 15) كما يحق لرئيس الجمهورية, عندما تكون مؤسسات الجمهورية أو استقلال الأمة أو سلامة أراضيها أو تنفيذ التزاماتها الدولية مهددا بطريقة خطيرة, أن يتخذ التدابير التي تفرضها هذه الظروف بعد مشاورة رسمية مع رئيس الوزراء ورؤساء مجلسي البرلمان والمجلس الدستوري، و يقوم رئيس الجمهورية بإبلاغ هذه التدابير للأمة في رسالة (مادة16). كما أن لرئيس الجمهورية الحق في العفو( مادة 17).
ويفسر البعض تلك السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية بأنه المنصب الرسمي الوحيد الذي يتم انتخابه من قبل الشعب الفرنسي بأكمله, فهو إذن يستمد شرعية وجوده مباشرة من الناخبين الفرنسيين. بالإضافة إلى عدم وجود منصب نائب للرئيس في النموذج الفرنسي وفي النهاية يمكن إيجاز سلطات الرئيس طبقا لدستور الجمهورية الخامسة في 8 نقاط رئيسية :
1- هو يسمي رئيس الوزراء, و يصادق على اختياره للوزراء
2- يرأس اجتماعات مجلس الوزراء (وليس رئيس الوزراء)
3- هو الذي يقود السياسة الخارجية الفرنسية, من خلال سلطاته في التفاوض وتوقيع المعاهدات, بالإضافة إلى تسمية السفراء الفرنسيين في العالم الخارجي, والموافقة على السفراء الأجانب في فرنسا.
4- هو قائد القوات المسلحة, كما انه المسئول الوحيد عن القوة النووية الفرنسية.
5- له سلطة حل الجمعية الوطنية والدعوة لانتخابات جديدة .
6- كما انه يعين ثلاثة من أعضاء المجلس الدستوري ( البالغ عددهم 9), بما فيهم الرئيس. كما أن له حق اقتراح تعديلات للدستور( مادة 89).
8- المادة الخامسة من الدستور تجعل من رئيس الجمهورية هو الضامن للاستقلال الوطني ولسلامة الأراضي و احترام المعاهدات.
ونظراً للاهمية الكبيرة لمنصب رئيس الجمهورية فقد وضع الدستور الفرنسي مجموعة من الشروط، والتي ينبغي لها أن تتوافر في أشخاص المرشحين لهذا المنصب وذلك استنادًا إلى مكانتة وأهميته والدور والصلاحيات المنوطة به، ومن بين هذه الشروط- على سبيل المثال- أن يحصل المرشَّح لهذا المنصب على توقيع (100) من أعضاء الهيئات المنتخَبة والتمثيلية، مثل الجمعية الوطنية والبلدية والمحلية والعمد المنتخَبين في المدن والأحياء- يقدر عددهم بعشرات الآلاف- وارتفع بعد ذلك رقم المائة توقيع إلى خمسمائة؛ نظرًا لتطور الظروف . بالإضافة إلى ذلك فإن الدولة تتكفل- وفقًا للدستور- بدفع مائة ألف فرنك فرنسي (تعديل آخر عام 1974م) لكل مرشح مستوفٍ شروطَ الترشيح لهذا المنصب لتمويل حملته الانتخابية، فضلاً عن ضمان عدد من الإعلانات والمنشورات والمطبوعات الخاصة بالحملة الانتخابية لكل مرشح، وتخصيص وقت متساو في الإذاعة والتليفزيون لعرض برامج المرشح ومناقشتها .
ثانياً: رئيس الوزراء والحكومة
ان الفكرة الاساسية التي يدور حولها دستور 1958 وتعديل 1962 وسياسة ديجول هي تقوية مركز السلطة التنفيذية لا لحساب رئيس الوزراء وانما لحساب رئيس الجمهورية، ومع ذلك ابقى الدستور على الازدواجية داخل السلطة التنفيذية. فلم يعهد لرئيس الجمهورية بمهام رئيس الوزراء رغبة في تفادي الارهاق الذي نتج عن تبنى النظام البرلماني نظراً لكثرة الجدل بين الوزارة والبرلمان والذي تمخض عنه اطضراب وعدم استقرار، خاصة في الفترة السابقة على سقوط الجمهورية الرابعة. ولهذا فإن الحل الوسط الذي تبناه دستور سنة 1958 لجعل الجمهورية الخامسة شبه برلمانية وشبه رئاسية اضفى على الحكومة طابعاً برلمانياً. فالحكومة تحدد وتدير سياسة الأمة بقيادة رئيس الوزراء. ويعتبر رئيس الوزراء مسؤولاً أمام البرلمان (المادة 20) . ويوجه رئيس الوزراء عمل الحكومة، ويسهر على تطبيق القوانين (المادة( 21 . ويتضح من هذه النصوص ان رئيس الوزراء اذ يحدد سياسة الدولة، ويقوم برسم الاهداف والاساليب الواجبة الاتباع لتحقيق الاهداف، غير ان التطبيق العملي لهذه النصوص، ادى الى توسيع اختصاصات رئيس الجمهورية والحد من سلطات رئيس الوزراء والوزارة، بل ان الرئيس ديستان اتجه بالنظام نحو الرئاسية، وقد اعلن هذا في مناسبات عديدة منذ انتخابه سنه 1974 .
وبغض النظر عن رغبات الرؤساء وممارساتهم فأن البعض يرى ان النظام الذي ارساه الاصلاح الدستوري في فرنسا في عام 1961م باقرار انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع الشامل دون الغاء الاطار البرلماني يبرز نموذج متميز من العلاقات بين الحكومة والبرلمان يمكن تسميتها بالنصف رئاسي الذي يبدو اقرب الى النظام البرلماني منه الى النظام الرئاسي، وهذا يعني ان النظام الفرنسي يبقى برلمانياً لان رئيس الوزراء والوزراء يشكلون وزارة مسؤولة أمام البرلمان الذي يستطيع ارغامها على الاستقالة بحجب الثقة عنها ولا تستطيع الحكومة أن تحكم اذا لم تحصل على أغلبية أصوات الجمعية الوطنية. وربما مما يجعل البعض ينظر الى النظام الفرنسي كنظام رئاسي بحث هو وجود ما اصطلح عليه بالأغلبية الديجولية منذ عام 1962م التي اخفت هذه المشكلة عدة مرات، ولكن اذا ما غابت من جديد هذه الأغلبية، فسوف يعمل النظام نصف الرئاسي على نحو مختلف جداً، وبالذات اذا غاب التطابق بين التوجه السياسي لهذه الأغلبية البرلمانية والتوجه السياسي لرئيس الدولة .
العلاقة بين الرئيس والحكومة (حالة السيطرة الموحدة وحالة التعايش)
مما تقدم يتضح لنا إن الدستور يخلق من منصب الرئيس, سلطة كبيرة, فهو بحق مفتاح كل المؤسسات السياسية الفرنسية, إلا أن تحديد دقيق لصلاحيات رئيس الجمهورية الفرنسي, يستوجب مراجعة للظروف السياسية التي يعمل فيها هذا الرئيس. فلكي تكون تلك الصلاحيات الدستورية للرئيس فعالة يجب عليه ترجمة تلك النصوص إلى قدرة يومية على التأثير في العمل السياسي الفرنسي. فحقيقة أن الرئيس الفرنسي هو الوحيد المنتخب مباشرة من الشعب الفرنسي, تمنحه سلاح فعال يمكنه استخدامه في مواجهة المعارضة. ولكن ذلك لا يكفي لاحكام سيطرته واستفراده بالسلطة، بل يتوقف ذلك على علاقته بالاغلبية في الجمعية الوطنية.
حالة السيطرة الموحدة
عندما يكون التحالف الذي يشكل الأغلبية في الجمعية الوطنية الفرنسية ينتمي إلى نفس التيار, أو الحزب الذي ينتمي إلية الرئيس، فسيتمكن في هذه الحالة من تسمية رئيس للوزراء يدين له بالولاء, وبالتبعية حكومة تدين له بالولاء هي الأخرى. وفي تلك الحالة لن يشكل البرلمان أي عائق أمام سياسات وتوجهات الرئيس, وهو الأمر الذي يجعل من الممارسات السياسية للرئيس لا تتعرض لأي قيود سياسية تذكر إلا قواعد القانون والدستور المنظمة للحياة السياسية في البلاد . وبمعنى آخر عندما تكون السلطتين التنفيذية والتشريعية في يد حزب واحد, أو تحالف حزبي موحد, وهو ما يطلق عليه البعض السيطرة الموحدة, فان سلطات رئيس الدولة الفرنسي تكون كبيرة, ويجمع من يتولى منصب الرئاسة الفرنسي صلاحيات الرئيس الأمريكي, حيث يكون رئيس السلطة التنفيذية ويتمتع باستقلالية عن أي رقابة من قبل السلطة التشريعية، بالإضافة إلى السلطات التي تخول إلى الحكومة في النظام البرلماني (مثل المملكة المتحدة) ومنها السيطرة على جدول أعمال السلطة التشريعية, والقدرة على حلها والدعوة لانتخابات مبكرة. فالحكومة في ظل توجيهات رئيس الدولة, تسيطر على السلطة التشريعية بشكل اكبر من الحكومات في النظم البرلمانية, والنتيجة هي قدر كبير من هيمنة السلطة التنفيذية. وهذا الوضع مماثل للوضع الذي كان فيه كلا من رئيس الجمهورية (جاك شيراك) ورئيس الوزراء ( دومينيك دوفيلبان) ينتميان إلى نفس الحزب.
السيطرة المجزئة (التعايش)
في حالة سيطرة حزب او تحالف على أحد السلطتين وحزب أخر على السلطة الأخرى, وهو ما يطلق عليه السيطرة المجزئة, فان حجم السلطات تكون موزعة, وفي بعض الأحيان متنازع عليها, بين رئيس الدولة, ورئيس الوزراء . ووفقاً لهذه الازدواجية يتطلب الأمر عملية تنسيق وإيجاد حالة من التعايش بين رأسي السلطة التنفيذية والبرلمانية، خاصة إذا كان رئيس الحكومة ينتمي لأغلبية برلمانية لا ينتمي لها رئيس الدولة . وهنا فان الرئيس يجد نفسه مضطرا إلى التخفيف من قبضته على السلطة التنفيذية, فهو لا يجب أن يتوقع أن يقوم رئيس الوزراء والبرلمان بتمرير كل مبادراته السياسية, خاصة إذا كان قد اتخذها بشكل منفرد. ويتحول قدر كبير من السلطات إلى رئيس الوزراء ليقترب النظام الفرنسي من النظام البرلماني, ويبتعد عن النظام الرئاسي. ويكفي في حالات التعايش, أن يقوم رئيس الجمهورية بانتقاد رئيس وزرائه أمام وسائل الإعلام, لكي يصير واضحا للجميع أن ثمة صراع بين الطرفين, ويكون على الشعب الفرنسي أن يختار في اقرب انتخابات (تشريعية, أو رئاسية آيهما اقرب) أن ينحاز لطرف ضد أخر. ففي عام 1986 فازت أغلبية محافظة بالانتخابات التشريعية في ظل الرئاسة الاشتراكية لفرنسوا ميتران, وكانت الانتخابات الرئاسية هي الأقرب, حيث فاز ميتران عام1988 بمنصب الرئاسة لفترة ثانية, فقام بحل البرلمان ودعا لانتخابات فاز فيها الاشتراكيون .
وعلى مدى حوالي 30 عاما، كان رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الوطني ينتميان إلى نفس الحزب، لكن في عام 1986، وفي أعقاب فوز اليمين في الانتخابات البرلمانية، وجد الاشتراكي فرانسوا ميتيران نفسه مضطرا لتسمية الديغولي جاك شيراك وزيرا أول. وهذا "التعايش" بين رئيس وحكومة من معسكرين متعارضين، يُـضعف إلى حدٍّ كبير سلطات الرئيس، الذي يقتصر حينها على لعب دور حارس المؤسسات وممثل فرنسا في الخارج، وقد اضطر ميتيران مجددا للتعايش من عام 1993 إلى 1995 (مع إيدوار بالادور) ثم جاء الدور على الرئيس جاك شيراك، الذي تعايش ما بين 1997 و2002 مع الاشتراكي ليونيل جوسبان في منصب الوزير الأول بعد أن حاز اليسار على الأغلبية في البرلمان . فلم يتسن لشيراك ممارسة مهامه الرئاسية استنادا الى غالبية برلمانية وحكومة موالية له سوى سنتين، اضطر في اعقابهما الى حل البرلمان وعقد انتخابات تشريعية جاءت نتيجتها مغايرة لتوقعاته وأدت الى فوز الاشتراكيين وخلفائهم اليساريين. ولم يكن بإمكان جوسبان الانطلاق بعمله الحكومي من دون ان يضع دائما نصب عينيه كونه لا يسيطر سوى على نصف الحكم، وان عليه مراعاة هذا الواقع في مختلف توجهاته. ونتيجة هذه المعادلة كرس كل من شيراك وجوسبان جهدا بالغا على مدى السنوات الخمس الماضية، للحد من جدوى ما يقوم به الآخر، وان من دون ان يؤدي ذلك الى تعطيل النشاط الرسمي والمؤسساتي.
وفي كتاب له تحت عنوان كتاب "الضفة اليسرى" 1997- 2001انتقد مدير مكتب رئيس الحكومة، اوليفيه شراميك، بحكم تجربته وموقعه، صيغة التعايش حيث استعرض مساوئها على صعيد سير مؤسسات الدولة الفرنسية، وشكل الكتاب تحذيرا وجهه شراميك الى الناخبين الفرنسيين، للحؤول دون تكرارهم صيغة التعايش .
الجدل حول صلاحيات رئيس الجمهورية : جدل مستمرتشهده الساحة السياسية الفرنسية بشكل شبه دوري حول الصلاحيات الكبيرة التي يتمتع بها قاطن قصر الاليزيه الرئاسي, وقد نجحت تلك المطالبات في الحد من فترة الرئاسة, لتصبح خمس سنوات بدلا من 7 سنوات, إلا أن مطالبات أخرى مازالت قيد البحث مثل المسئولية السياسية لرئيس الدولة, وعدم وجود قيد على فترات الرئاسة. واذا كان هذا الجدل هو عملية مستمرة، فان الأضواء قد سلطت على تلك القضية مؤخرا عقب تصريحات نيكولا ساركوزي عندما كان وزيراً للداخلية، حيث دعا في حديث له بمناسبة العام الجديد 2006 إلى إجراء تعديلات دستورية كبيرة في فرنسا تشمل:
1- تخفيض ولاية الرئيس وحصرها بفترتين فقط، فطبقا له عشر سنين هي أفق طموح بما فيه الكفاية.
2- وجعل رئيس مجلس الوزراء منسقا فقط لسياسات الحكومة.
3- كما أكد أنه على الرئيس المثول أمام البرلمان لمناقشة قضايا الساعة, حيث يرى ساركوزي ان من واجب الرئيس ليس فقط مواجهة الخيارات الكبيرة، ولكن أيضاً كل ما يهم الحياة اليومية للفرنسيين، وعليه أيضاً تحمل مسئوليته والقيام بتعهدات، وشرح طريقة تنفيذها. وقد أثارت تصريحات ساركوزي ردود فعل مختلفة, خاصة بالنسبة لأولئك المطالبين بالحد من صلاحيات رئيس الجمهورية, فبينما اعتبر هؤلاء أن وضع قيد على عدد فترات الرئاسة, لتصبح فترتين على الأقصى هو أمر إيجابي حيث انه بسلطات كتلك التي يملكها رئيس الجمهوري في النظام الفرنسي لا يجب أن يستمر في الحكم لفترة طويلة. إلا أن دعوته إلى أن يمثل الرئيس أمام البرلمان لمناقشة الأمور اليومية هي إضافة جديدة لصلاحيات رئيس الجمهورية, خاصة ان ساركوزي قد أكمل ذلك بمطالبته بان يصبح رئيس الوزراء مجرد منسق للسياسات التي يضعها الرئيس .
أسباب قوة منصب رئيس الجمهورية الفرنسي
يمكن إجمالا إرجاع قوة منصب الرئيس الفرنسي إلى ثلاث عوامل رئيسية :
1- الصفات الشخصية لشارل ديجول, مؤسس الجمهورية الفرنسية الخامسة، حيث يعتبر شارل ديجول هو السياسي الفرنسي الأكثر تأثيرا و شهرة في القرن العشرين دون جدال. وقد استمد تلك الشهرة من قيادته للمقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية, ونجح في إعادة صياغة المؤسسات السياسية الفرنسية خلال الجمهورية الخامسة بهدف خلق قيادة قوية تستطيع إعطاء ثقل لفرنسا على الساحة الدولية, في الوقت الذي اشتعلت فيه معارك الحرب الباردة بين القوتين العظميين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ولكونه أول رئيس لفرنسا في الجمهورية الخامسة, فقد اصبغ على منصب الرئيس عدة صفات منها القوة و الديناميكية, وقد زاد من تأثير ديجول على منصب الرئيس, نجاحه في الصعود بحجم التأثير السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية بشكل كبير, بعد ان كانت فرنسا منذ عدة سنوات ترزح تحت الاحتلال النازي الذي احتل نصفها, وولي حكومة عميلة في النصف الأخر ( حكومة الجنرال بيتان) .
وقد جاء بعد ديجول, الرئيس جورج بومبيدو, وفاليري جيسكار ديستان, وقد كان هذين الرئيسيين, مجرد نسخ باهته من الرئيس الأول للجمهورية الخامسة. أما الرئيس الثاني الذي استخدم صلاحيات رئيس الدولة بشكل موسع هو فرنسوا ميتران, والذي كان هو الأخر احد القيادات الشابة في حركة المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية, وقد كان احد حلفاء ديجول إلا أن الطموحات السياسية للرجلين فرقت بينهما. فقد اتهم متيران ديجول بأنه صنع منصب رئاسي, يسمح له بممارسة السلطة بشكل تعسفي وسلطوي, وسعى ميتران لكي يجعل من الحزب الاشتراكي بديل للتحالف الديجولي . وفي 1981, بعد خسارته في جولتين سابقتين للانتخابات الرئاسية, نجح في الإطاحة بفاليري جيسكار ديستان ليبدأ ميتران فترة رئاسية قدر لها أن تكون الأطول في تاريخ الجمهورية الخامسة والتي دامت لـ 14 عاما .
2- الدستور الفرنسي : إن دستور الجمهورية الخامسة يمنح الرئيس العديد من الصلاحيات (سبق الاشاره لها).
3- الرئيس السياسي ( الممارسات السياسية للرئيس ): إن الدستور يخلق بالطبع من منصب الرئيس , سلطة كبيرة , و بالرغم من ذلك فلكي تكون تلك الصلاحيات الدستورية للرئيس فعالة يجب عليه ترجمة تلك النصوص إلى قدرة يومية على التأثير في العمل السياسي الفرنسي ، وهذا يتطلب ان يمتلك الاغلبية في الجمعية الوطنية.



السلطة التشريعية.
للسلطة التشريعية في فرنسا, منذ القدم, أهمية خاصة, و تقدير كبير في نفوس مواطنيها. ولعل ما عبر عنه فيكتور هيجو, في مساندته لأحد النواب في حملته الانتخابية, يبين ذلك, وان لم يوافقه على بعضه أنصار فصل السلطات: " المشرع هو المعبّر الأعلى عن إرادة الأمة، وكل مقاومة من قبل السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية هو تدخل. كل تعد من السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية هو جناية." وتتكون السلطة التشريعية من مجلسين على غرار النظامين الأمريكي والبريطاني، هذان المجلسان هما: الجمعية الوطنية، ومجلس الشيوخ.
أولا: الجمعية الوطنية:تعد هي المجلس الأهم من الناحية التشريعية مقارنة بمجلس الشيوخ، وبالرغم من أن الأخير مجلس منتخب، فإن صلاحيته التشريعية محدودة وهو في ذلك يشبه إلى حد كبير مجلس اللوردات في النظام البريطاني، كما أن الجمعية الوطنية الفرنسية تشبه في صلاحياتها مجلس العموم البريطاني، خاصة فيما يتعلق بعلاقتها مع الحكومة، إذ يحق لها سحب الثقة من الحكومة. ولها حق مناقشة مشاريع القوانين المقدمة من الحكومة ولها الاعتراض عليها أو طلب تعديل بعض الفقرات بها، كما يحق لها اعتماد ميزانية الدولة ومناقشة الحكومة بشأنها. وكما سبق القول يحق لها سحب الثقة من الحكومة، لكنها لا تلجأ إلى ذلك إلا نادرا خشية أن يطلب رئيس الحكومة من رئيس الدولة حل الجمعية الوطنية وإجراء انتخابات جديدة . وتتشكل الجمعية الوطنية من 577 نائبا، 555 منهم من المناطق الداخلية في فرنسا، والمقاعد الباقية للأقاليم الفرنسية فيما وراء البحار (مثل غينيا الفرنسية، جزيرة سان ريمون، سان بيتر، جزيرة مايوت الموجودة في جزر القمر وغيرها). ويتم انتخاب النواب لمدة خمس سنوات عن طريق الاقتراع الفردي.
ثانيا: مجلس الشيوخ :ويتكون من 321 عضوا، 296 عضوا للفرنسيين الموجودين داخل البلاد، والباقي للأقاليم الواقعة فيما وراء البحار (13 مقعدا)، وللفرنسيين الموجودين بالخارج (12 مقعدا). ويتم انتخاب أعضاء هذا المجلس عن طريق الانتخاب غير المباشر من خلال المجمع الانتخابي لكل محافظة (يتشكل هذا المجمع من عدد من النواب والمستشارين العموميين، ومندوبين عن المجالس المحلية) ومدة العضوية به 9 سنوات، وتجرى انتخابات التجديد كل ثلاث سنوات لثلث أعضاء المجلس. وبالرغم من أنه مجلس منتخب تماما مثل مجلس الشيوخ الأمريكي، فإن صلاحياته التشريعية ضئيلة للغاية خاصة فيما يتعلق بحقه في مناقشة سحب الثقة من الحكومة، لذا فهو أقرب إلى مجلس اللوردات في بريطانيا منه إلى مجلس الشيوخ الأمريكي. والوظيفة الأساسية للمجلس هي الوظيفة الاستشارية، حيث يعد بمثابة بيت الخبرة السياسي للجمعية الوطنية .
وتعرض مشاريع القوانين، سواء كانت مقدمة من الحكومة او من البرلمانيين، بالتناوب على الجمعية ومجلس الشيوخ وفي حال استمرار الخلاف بين الغرفتين يكون للنواب الكلمة الفصل اذا قررت الحكومة ذلك.. وقبل بحثها في جلسة موسعة تخضع النصوص لدراسة لجان دائمة مكونة من نواب لا يحق لهم المشاركة سوى في لجنة واحدة منها، وينتهى تداول النصوص بين الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ عندما يتبنى كل من الاثنين دون تعديل الوثيقة التي احالها اليه الاخر.
وبشكل عام، اذا لم يتفق المجلسان بعد قراءتين للنص من قبل كل منهما يمكن تشكيل لجنة مشتركة (سبعة نواب وسبعة شيوخ) لمحاولة التوصل الى صيغة ترضي الطرفين، واذا لم توافق الحكومة على نص اللجنة المشتركة او اذا عجزت هذه عن صياغة نص يكون للحكومة امكانية اعطاء الكلمة الاخيرة للجمعية الوطنية في معظم الحالات. وبعد تبني النص يمكن عرضه على المجلس الدستوري وخصوصا اذا ما قرر ستون نائبا او ستون سناتورا ذلك.ومن وظائف الجمعية الاخرى، ابلاغ المواطنين من خلال تشكيل لجنة تحقيق بالمواضيع المتعلقة بالمجتمع او بالمؤسسات التي لا تعمل جيدا او ايضا باوضاع الازمات. واخيرا ومنذ 1999 اصبح للجمعية الوطنية فريق تقييم ومراقبة يرأسه نائب من الاغلبية واخر من المعارضة ويقوم بمراقبة النفقات العامة .
عمل البرلمان : كان البرلمان في عهد الثورة الفرنسية يجتمع بصفة دائمة غير ان هذا المنهج تغير منذ 1814 واصبح هناك ثلاث انواع من الاجتماعات للبرلمان الفرنسي وهي : الجلسات العادية التى تعقد فى مواعيد محددة من السنة، والدورات غير العادية التى تعقد بناء على طلب الوزير الاول او بناء على طلب اغلبية الاعضاء، واخيراً الاجتماع بقوة القانون التي يعقد بعد حل الجمعية الوطنية او في حالة استخدام الرئيس السلطات الديكتاتورية.
للبرلمان لجان متعددة منها اللجان الخاصة التي تنشأ لفحص مشروع قانون خاص، واللجان الدائمة ولجان التحقيق ولجان المراقبة.
اختصاصات البرلمان:
يعتبر دستور الجمهورية الخامسة بداية عهد جديد في علاقة السلطات العامة، حيث يوسع اختصاصات الحكومة على حساب البرلمان، وينعكس هذا على علاقة القانون باللائحة، اى على مصادر القانون. فبعد ان كان التشريع من اختصاص البرلمان وحده، قلب دستور سنة 1958 القواعد وجعل البرلمان صاحب اختصاص محدد على سبيل الحصر. وفتح المجال للحكومة لاصدار اللوائح والمراسيم بشرط ان لا تتعارض مع اللوائح القانونية. ويرجع هذا الانقلاب الى تعقد المسائل الفنية واستحالة متابعتها بواسطة اعضاء البرلمان. ويبرر الفقه الففرنسي ذلك بالقول بان القانون كان مجالا محجوزا للبرلمان، ولا داعى لاستمرار ذلك بعد ان اصبح الرئيس ينتخب بواسطة الشعب مباشرة، اي انه موضع ثقة الامه. ورغم ذلك يعيب المنهج الجديد ان البرلمان يوفر مناقشات مثمرة تنعكس على صياغة ومضمون القانون، لا يمكن ان تتوفر للمراسيم والاوامر الجمهورية او الوزارية .
النظام الحزبي :
يعد النظام الحزبي الفرنسي نظاما تعدديا شأنه في ذلك شأن النظامين الأمريكي والبريطاني، لكنه يختلف عنهما في عدم وجود حزبين مسيطرين على الحياة السياسية من الناحية الواقعية (الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، وحزبا العمال والمحافظين في بريطانيا) وإنما هناك تياران متنافسان في فرنسا هما تيار اليمين واليسار يضم كل منهما مجموعة من الأحزاب، أي أن التنافس بين قوى أيديولوجية تتصارع فيما بينها في بعض الفترات لدرجة حدوث تفتت في الأصوات وبالتالي في مقاعد البرلمان (ولعل هذا يفسر أسباب كون معظم الحكومات الفرنسية حكومات ائتلافية)، وتارة أخرى تحدث حالة من الاستقطاب ولكن بين أنصار التيار الواحد، وغالبا ما يحدث هذا في ظل وجود زعامات كاريزمية لها القدرة على جمع هذه التيارات في تيار واحد مثل "ديجول" الذي استطاع أن ينظم صفوف اليمين الوطني ويحوله إلى قوة سياسية فاعلة ومهيمنة على الحياة السياسية طيلة الستينيات، وفي المقابل قام الرئيس "فرانسوا ميتران" بتوحيد عشرات الأحزاب والقوى اليسارية، بحيث كان لها الهيمنة على الحياة السياسية الفرنسية طيلة الثمانينيات.
وعلى الرغم من أن الأحزاب الفرنسية ظهرت في فرنسا مع اندلاع الثورة عام 1789، فإن أقدم الأحزاب المعاصرة تعود نشأتها لعام 1901، أما الأحزاب التي نشأت قبل هذا التاريخ فقد اختفت تنظيميا وربما فكريا من الحياة السياسية الفرنسية. والآن هناك تقريباً خمس قوى سياسية في فرنسا برزت خلال الانتخابات الرئاسية التي جرت في أبريل الماضي، ثم في الانتخابات البرلمانية في يونيو الماضي أيضا، هذه القوى هي: اليسار المتطرف وتمثله الأحزاب الشيوعية؛ واليسار المعتدل ويمثله الحزب الاشتراكي ومرشحته "سيجولين رويال"؛ والوسط الذي يمثله حزب "الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية" ومرشحه "فرانسوا بايرو"؛ واليمين المعتدل ويمثله حزب "الاتحاد من أجل الأغلبية الشعبية" ومرشحه "نيكولا ساركوزي" الذي فاز في الانتخابات، وأخيرا اليمين المتطرف الذي يمثله حزب "الجبهة الوطنية" ومرشحه "جان ماري لو بان". ويلاحظ أن المنافسة السياسية والانتخابية عادة ما تنحصر بين الحزب اليميني المعتدل "الاتحاد من أجل الأغلبية الشعبية"، وبين الحزب الاشتراكي. إلاّ أن وصول "جان ماري لو بان" إلى الدورة الثانية لانتخابات 2002 الرئاسية كان تحدياً جديداً للديمقراطية في فرنسا .وفيما يلي نبذة عن الأحزاب الرئيسية.
اولا: الحزب الاشتراكي : يعتبر من أقدم الأحزاب السياسية المعاصرة في فرنسا؛ حيث تعود جذور نشأته لعام 1905، وفي عام 1959 تم تغيير اسم الحزب إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي، وأصبح يمثل التيار المعتدل لليسار"أي هو حزب يسار الوسط" وذلك تمييزا له عن الأحزاب اليسارية المتطرفة "الحزب الشيوعي". ولقد برز الحزب بصورة قوية في الساحة الفرنسية على يد الرئيس الفرنسي الأسبق "فرانسوا ميتران"، فقد تمكن "ميتران" من توحيد معظم فرق اليسار المعتدل، وقام عام 1972 بإبرام برنامج مشترك للحكم مع كل من الحزب الشيوعي والراديكاليين، ولقد كان ذلك أحد العوامل التي أسهمت في فوز "ميتران" برئاسة البلاد عام 1981، وكذلك فوز الحزب الاشتراكي -لأول مرة في تاريخ فرنسا- بأغلبية مقاعد الجمعية الوطنية في الانتخابات التالية.
ويتلخص برنامج الحزب في محاولة الحفاظ على حد أدنى مرتفع للأجور، ومكافحة البطالة، ومحاولة استيعاب العمالة المهاجرة في النسيج الاجتماعي للبلاد، "ومن ثم فهو من هذه الزاوية قريب من الأقلية العربية في البلاد" فضلا عن مشاركة العمال في الإدارة. أما خارجيا فإن الحزب يدعو للحفاظ على روابط قوية مع الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي، كما يطالب بسياسة عالمية أكثر عدلا في التعامل مع دول العالم الثالث. كما يعد الحزب من مؤيدي إسرائيل، لذا فإن هذه النقطة تجعل هناك تباعدا بينه وبين الفرنسيين من أصل عربي. وبصفة عامة فإن الأداء السياسي للحزب في تحسن مستمر، خاصة وأنه حزب معتدل كما سبق القول، حيث ارتفع عدد مقاعده في الجمعية الوطنية من 149 مقعدا عام 2002 "26.7%" إلى 185 مقعدا في الانتخابات الأخيرة "33.3%". ويعد الحزب المنافس الرئيسي لحزب التجمع من أجل الحركة الشعبية الحاكم حاليا.
ثانيا: الحزب الشيوعي :تأسس عام 1920، وكان مرتبطا من الناحية الأيديولوجية والسياسية بالاتحاد السوفيتي. وقد زاد دوره السياسي بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة بسبب دوره المباشر في مقاومة الاحتلال النازي، لذا فقد شارك في حكومة "ديجول" المؤقتة بعد الحرب، لكن يلاحظ أن قوته الانتخابية لم تتجاوز ربع أصوات الناخبين، وأقل من 15% من مقاعد الجمعية الوطنية. ثم بدأت مكانته في التراجع بداية من عام 1972 "تاريخ بروز "ميتران" وتفعيله للحزب الاشتراكي"، وصار من القوى الهامشية في النظام الفرنسي "أقل من 10% من الأصوات، وأقل من 5% من مقاعد الجمعية الوطنية".
ثالثا: التجمع من أجل الحركة الشعبية: وهو الذي أسسه الرئيس الفرنسي السابق "جاك شيراك" عام 1967 ليكون امتدادا لحزب التجمع من أجل الجمهورية الذي أسسه "شارل ديجول" والذي عرف باسم الحزب الديجولي. هذا الحزب يعد من أحزاب اليمين المعتدل، وتقوم سياسته الداخلية على التركيز على قوة الدولة من ناحية، وتبني سياسات معتدلة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي الخارج يهدف الحزب إلى بناء سياسة خارجية مستقلة لفرنسا، مع تأكيد دورها العالمي. وبالنسبة للعلاقات مع الدول العربية خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية فقد انتهج الحزب أثناء حكم الرئيس "شيراك" سياسة تقارب مع الدول العربية، وتفهّم قضاياها، لا سيما القضية الفلسطينية. وهو ما دفع العرب الفرنسيين "تقدر عدد أصواتهم بمليوني صوت" إلى التصويت لصالحه في انتخابات عام 2002. لكن من المتوقع أن يتغير موقف الحزب تجاه العرب في الداخل والخارج بعد فوز الحزب في الانتخابات الرئاسية "أبريل 2007"، والبرلمانية "يونيو 2007"، خاصة وأن الرئيس الحالي "نيكولاي ساركوزي" متعاطف مع إسرائيل، كما أنه سبق وأن وصف العرب الموجودين في فرنسا إبان توليه حقيبة الداخلية عام 2005 بأنهم رعاع وحثالة، الأمر الذي أدى إلى حدوث اضطرابات في فرنسا في حينها، كما أنه يتخذ موقفا متشددا من الهجرة غير الشرعية للبلاد، والتي يأتي معظمها من دول شمال إفريقيا العربية. ويعد هذا الحزب هو الحزب الحاكم حاليا، حيث حصل في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بالتحالف مع بعض الأحزاب الصغيرة على 314 مقعدا "54.5%"، الأمر الذي مكنه من تشكيل الحكومة منفردا في مواجهة خصمه التقليدي "الحزب الاشتراكي".
رابعا: الجبهة الوطنية :وهي تعد من قوى اليمين المتطرف، وظهرت عام 1972 على يد زعيمها "جان ماري لوبان"، ودخلت البرلمان لأول مرة عام 1986، ولكن بثقل كبير حيث حصلت على 35 مقعدا في الجمعية الوطنية، فضلا عن أصوات 2.5 مليون ناخب. وهي تعد من أكثر التيارات عنصرية وعداء للمهاجرين خاصة العرب منهم. ولقد كان نجاح "لوبان" في الدخول في جولة إعادة أمام الرئيس "شيراك" في انتخابات عام 2002 دليلا على وجود ميل عنصري لدى قطاع غير قليل من الشعب الفرنسي تجاه العرب والمسلمين .
ان لوبن الذي وصف نفسه بأنه "رجل حر ينتمي إلى اليسار اجتماعياً وإلى اليمين اقتصادياً وأكثر من أي شيء هو قومي فرنسي، قد بدا وحده في موقع المنتصر في الدورة الأولى لانتخابات 2002، فيما بدا جميع من عداه في موقع المهزوم، فهو لم يحقق تقدماً انتخابياً وحسب بل زعزع أسس الحياة السياسية الفرنسية وهشّم مكوناتها. لقد اسقط لوبن صيغة التناوب التقليدية على الحكم، والمطمئنة لليمين واليسار، ونجح باستبعاد اليسار عن استحقاق رئيسي للمرة الأولى منذ 1969. حطم الحزب الاشتراكي، وحمل رئيس الوزراء لونيد جوسبان على إعلان عزوفه عن السياسة، وسحق الحزب الشيوعي الذي باتت شعبيته في حال شبه معدومة.
الأغلبية والمعارضة
منذ عام 1962م تجمعت الاحزاب ضمن تحالفين كبيرين منظمين أحدهما يميني والآخر يساري وهذا يسمى (ثنائية الأقطاب) التي تشكل جوهر الأغلبية البرلمانية، مما جعل. كل الحياة السياسية الفرنسية مطبوعة بالاستقطاب القائم بين اليسار واليمين، حيث يلعب كل منهما بالتناوب دور الأغلبية والمعارضة. فور انتخابه، ويجب على الرئيس أن يُـسمي وزيرا أول، الذي يقوم بدوره باختيار أعضاء الحكومة (يتراوح عددهم ما بين 30 و50). الوزير الأول مسؤول أمام البرلمان، الذي يُـمكن له – نظريا – الإطاحة به، لكن هذا لم يحدُث أبدا، حيث أن جميع حكومات الجمهورية الخامسة، التي اضطرت لاجتياز هذا الاختبار المسمّـى "التصويت بالثقة"، حصُـلت على دعم النواب. في مقابل ذلك، لا يتوانى الرئيس عن استعمال حقه في تغيير الحكومة، فقد أقدم الرجال الخمسة، الذين تداولوا على رأس الدولة الفرنسية منذ عام 1958، على تغيير رئيس الوزراء 18 مرة، فيما اضطر البعض من هؤلاء إلى تغيير تشكيلة حكومتهم مرات عديدة .
السلطة القضائية :
في أدبيات العلاقة بين السلطات، يتم التأكيد دائماً على استقلالية القضاء، حتى في النظم الأكثر استبدادية وشمولية، وتنبع هذه الاستقلالية من أهمية القضاء كسلطة لصون الحقوق والحريات العامة للمواطن، ومراعاة مبدأ سيادة القانون، ولذلك تحرص كافة النظم السياسية على الاختيار الحيادي والنزيه للقضاء والعاملين في سلك القضاء، كونهم يمثلون ضمير الأمة المحصن ضد السياسة وبواعثها ودوافعها، وأيضاً لما يمثله القضاء من تجسيد للعدالة باعتبارها أهم أركان الحكم الصالح والرشيد والمصل الواقي ضد الاستبداد والطغيان. . وقد جاء في المادة 66 من الدستور الفرنسي القول : إن السلطة القضائية، حارسة الحرية الفردية وهي مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية ضمانا لحيادها ونزاهتها. وتنقسم إلى ثلاثة فروع هي القضاء المدني، والجنائي، والإداري (ولكل قضاء محاكمه الخاصة، حيث تعتبر محكمة النقض أعلى محكمة استئناف في القضايا المدنية والجنائية، كما يعتبر مجلس الدولة أعلى جهة اختصاص في المسائل الإدارية. ويعتبر رؤساء الدولة السابقون بحكم مناصبهم أعضاء في هذا المجلس، لكن دورهم يكون محدودا مقارنة بالأعضاء الأصليين، وبالرغم من أن دور مجلس الدولة تجاوز في الممارسة الصلاحيات الممنوحة له في الدستور، فإن هذا الدور لا يزال محدودا.
ولقد استحدث دستور 1958 المحكمة الدستورية العليا المنوطة بالنظر في مدى اتفاق القوانين الصادرة عن الجمعية الوطنية للدستور الفرنسي، ونفس الأمر بالنسبة للقرارات الصادرة عن الحكومة أو رئيس الجمهورية. وتتشكل المحكمة من تسعة أعضاء، يعينهم كل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشيوخ ورئيس الجمعية الوطنية (كل واحد يقوم بتعيين ثلاثة)، ويختار رئيس الجمهورية أحد هؤلاء التسعة لرئاسة المحكمة. ومدة العضوية بالمحكمة تسع سنوات غير قابلة للتجديد..

خاتمه

من خلال عرضنا للمراحل التي مر بها النظام السياسي الفرنسي في تطوره ووصوله الى ما هو عليه اليوم، لابد من ان تستوقفنا كثير من الاحداث والمشاهد التي يجب ان تكون اهم -من وجهة نظري- من النظام السياسيى نفسه، لان النظام لم يصل الى ما وصل اليه الا بفضل هذه المشاهد بما فيها من صراع بين من يسعى الى الامام ومن يريد بقاء الحال على ما هو عليه، صراع بين مفكرين وثوار ونخب ومظلومين وقفوا جميعاً للحصول على حقوقهم الطبيعية في العيش بحرية وكرامه وكافحوا وناضلوا من اجل اهداف ومبادئ امنوا بها وضحوا من اجلها بحياتهم ودمائهم، فكان المشهد دامياً في كثير من الاحيان وثورياً اكثر من اللازم .. ولكن هكذا تؤخذ الحقوق في كثير من الاحيان.
ان الدرس الاساسي الذي يجب ان نتعلمه من هذه التجربه هو ان النظم السياسية لايه دوله تصنعها الشعوب وليس كما يحدث في عالمنا العربي باستنساخ فقرات من دساتير هذه الدولة او تلك، فهذا دستور ابتدائي تجريبي، وذاك قانون اساسي .. وغيره تجد فيه كل ما لذ وطاب من حقوق وحريات .. ولكن وبملء الفم لا تجد منها شئ مطبق على الارض وبالتالي لا قيمة لها ولا معنى ولا تساوي في قيمتها الورق أو الحبر الذي كتبت به، لانها ببساطه غير نابعه من تجربه تاريخية وتراكمات فكرية تؤمن قولاً وفعلاً بما تكتب.
واذا كان لنا ان نلخص تجربة النظام السياسي الفرنسي والتحديات التي يواجهها، بطريقه اخرى غير السرد التاريخي ونسخلص منها العبر والدروس فانه يمكن القول :
اولاً : ان التاريخ لازال يعلمنا بأن معظم التغييرات السياسية ترجع في نشأتها الى انتشار الافكار السياسية المنادية بها والمتجاوبة معها، وفي فرنسا على الاخص لم يتخلف التقدم الفكري والتطور الاجتماعي كل منهما عن مسايرة الآخر. وانا لنتبين دائماً من خلال التاريخ ان وراء الاحداث الكبرى والثورات وحركات الاصلاح العامة افكاراً عامة ومذاهب نادت بها. ولم يحدث مطلقاً ان وقع شئ ما في عالم الحقيقة والواقع دون ان يدركه العقل فوراً وان يستخلص منه ثروه جديدة.
ففي فرنسا بالذات كان للآراء السبق وكانت السبب في كل تقدم اجتماعي وكان الفكر سباقاً في السير الى طريق الحضارة . فقد كانت افكار فولتير ومونتسكو ورسو هي التي قامت عليها الثوره الفرنسية، وكانت مدرسة القانون الطبيعي وقانون الشعوب هي الاساس الذي قامت عليه الثورات الثلاث الكبرى، الثورة الانجليزية عام 1698، والثورة الامريكية عام 1774، والثورة الفرنسية عام 1789، كما كانت أساس ما اسماه "أسمان" النظام السياسي الحديث .
2- اذا كانت الافكار مهمه لهذه الدرجه فإن هذا لا يعني اغفال اهمية الجماهير التي آمنت بهذه الافكار وطبقتها على ارض الواقع بالرغم من جسامة التضحيات، حيث يظهر تسلسل مراحل الثورات الفرنسية وتطور النظام السياسي الفرنسي دستورياُ وسياسياً وما حققه من انجازات في صعوده وانحداره أن قوة "الزعماء والأبطال" كانت تتجسد في انسجامهم مع طبيعة الطبقات والشرائح الاجتماعية التي تدعمهم، ومدى اخلاصهم وايمانهم بمبادئهم التي نذروا انفسهم اليها، حيث سمح هذا التوافق وحده لكل منهم أن يطبع بشخصيته مرحلة تاريخية معينة. ففي تسلسل وصول روبسبيير وبونابرت، ثم ديغول وميتران واخيرا شيراك إلى السلطة شرعية موضوعية أقوى من المميزات الشخصية لهؤلاء الأشخاص التاريخيين أنفسهم ، والتي لولا تضحيات ومساندة الجماهير لهم لما استطاعوا تحقيق مرادهم.
3- أننا نعرف أن الرواد الأوائل والمعلمين والزعماء الذين كانوا على رأس الجماهير في المراحل الأولى هم ضحايا أول موجة رد فعل بينما نرى كيف يتقدم إلى الصف الأول رجال من الصف الثاني متحدين مع من كانوا في العشية أعداء الثورة. لقد لقى الثائر الفرنسى روبسبيير حتفه على المقصلة، فكان مصيره مماثلا لمصير الآلاف الذين كان هو نفسه قد حكم عليهم بالموت وأرسلهم الى المقصلة خلال حكم الارهاب الذى تخلل الثورة الفرنسية فكان بذلك أكبر مثال حى لمقولة أن الثورة تأكل أبنائها .
4- ولكن الثورات ليست دائما تأكل ابنائها فهذا هو فكتور هوجو - الذي وقف ضد الظلم والديكتاتورية – يجسد اكبرمثال حي لتكريم الثورة لابنائها. فبعد ان عانى هوجو النفي خمسة عشر عاما خلال حكم نابليون الثالث وفقد معظم اسرته عاد الى فرنسا ليحتفل به الشعب في حياته ومماته وليشيعه مليونا مواطن وليدفن عام 1885 في مدافن العظماء، وتخلده شجرة سنديان كان قد زرعها في حديقة منزله بعد عودته إلى فرنسا من المنفى سماها «سنديانة أوروبا المتحدة»، حيث كان بحق داعية الوحدة الاوربية ونبيها ولهذا كرمته فرنسا عام 2002 اعظم تكريم .
4- اذا كان هوجو وغيره من المفكرين الفرنسيين قد اثروا الفكر الفرنسي والعالمي بابداعاتهم الداعية الى الحرية والعداله والانفتاح الانساني، فإن هناك على الطرف الآخر من الصوره يظهر لوبون بدعوته العنصرية المنغلقه مهدداً الانجازات التي حققها النظام السياسي الفرنسي عبر عشرات السنين حيث تبدو فرنسا اليوم بلداً ضيق الأفق، يرفض الأجانب وأوروبا، ويشكك بالمستقبل ويخاف من كل ما يحيط به. والتحدي الأول الذي يواجهها يتمثل في السعي إلى اعادة الديموقراطية إلى نصابها وتجنيبها الانحرافات التي قد تترتب على تنامي شعبية لوبن التي وضعت اطروحاته العنصرية سمعة فرنسا ومكانتها الدولية على المحك، بما هي نموذجاً للديموقراطية والتعايش.
5- لقد كانت فرنسا على الدوام، بعكس أميركا، أمة أصول وسكان أصليين. ولهذا فقد حدث صدع آخر في صرح الواحدية الثقافية عندما تحولت فرنسا في مطلع القرن العشرين إلى بلد مستقبل لعمالة أجنبية كثيفة. ففي1911 ارتفع عدد الأجانب المقيمين في فرنسا إلى نحو, 12مليون نسمة. وغداة الحرب العالمية الثانية انفتحت أبواب الهجرة من القارة الافريقية، وتساوى في نحو العام 1982عدد المهاجرين الأفارقة مع عدد المهاجرين الأوروبيين. وبالاضافة إلى الفروق الاثنية واللغوية تدخل هذه المرة العامل الديني، ووجدت الدولة الفرنسية نفسها أمام ضرورة تطوير ما سمي في حينه ب"إسلام فرنسي"، ولو على حساب المصادمة لمبدأ العلمانية في الفصل بين الكنيسة والدولة.
6- لا شك ان مشكلة المهاجرين واندامجهم تعد مشكله بحاجه الى حل ليس بابعادها الثقافية بل وايضاً في بعدها الاقتصادي والانساني فقد ارتفع عدد العاطلين عن العمل في فرنسا في آخر عقود القرن العشرين إلى أكثر من ثلاثة ملايين كما ارتفع عدد الذين لا يتمتعون بعمل ثابت إلى نحو من أربعة ملايين، كما ان عدد الذين لا يعيشون تحت سقف منزل ثابت قد زاد في عام1999على 700ألف شخص . ومن هنا جاء التحول في الحركة المطلبية وتبني الحركات الاحتجاجية الجديدة لشعارات إنسانية أكثر منها طبقية: الحق في العمل، الحق في المسكن، الحق في الكرامة الإنسانية، وهي حقوق نص عليها الدستور الفرنسي واعلان حقوق الانسان، ولكن السياسيون في كثير من الاحيان يحجمون عن تطبيق المبادئ والافكار السامية خوفاً على مصالحهم وارضاء لرغبات قطاعات معينه من المجتمع، ولكن التاريخ علمنا ان المبادئ الساميه فيى صراعها مع الافكار القديمه المنغلقه والجامده لابد ان يكتب لها النصر .. فالعدالة عرجاء ولكنها تصل في النهاية كما يقول المفكر الفرنسي ( ميرابو ) .

المراجع ومصادر البحث
الكتب
1. تاريخ اوروبا في العصور الوسطى – د. سعيد عبد الفتاح عاشور - دار النهضة العربية – بيروت لبنان
2. حكمة الغرب (عرض تاريخي للفلسفة الغربية في اطارها الاجتماعي والسياسي – برتراند راسل - فؤاد زكريا- المجلس الوطنى للثقافة والفنون والاداب, كناب رقم 62 - 1983
3. التاريخ الاوربي المعاصر من عصر النهضة الى مؤتمر فينا- د. عبد الحميد البطريق، د. عبد العزيز نوار- دار النهضة العربية - بيروت
4. موسوعة الفلسفة والفلاسفة – د. عبد المنعم الحفني- فولتير ج 2- مكتبة مدبولي – ط2 1999
5. تاريخ اوروبا في العصور الوسطى – موريس بيشوب – ترجمة على السيد هلى- المجلس الاعلى للترجمة – ط 1 2005
6. روسو (حياته- فلسفته- منتخبات) – اندريه كريسون – ترجمة نبيه صقر- منشورات عويدات – ط3 - 1982.
7. القانون الدستوري والنظم السياسية – د. فتحي الوحيدي- ج 2- مطابع المقداد بقطاع غزة – ط 4 - 2004
8. دراسات في النظم الدستورية المعاصرة – د. محمد عبد الله العربي – معهد الدراسات الاسلامية - 1966
9. الجمهورية- جان ميشال ديكومت- منشورات ميلان
10. قراءات في الفلسفة السياسية – د. فيصل بدير عون - مكتبة سعيد رأفت
11. مقدمة في علم السياسة – بيترغيل و جيفري بونتون – ترجمة د. محمد صالحه - منشورات الجامعة الاردنية 1991.
12. العلاقات الدولية - ريمون حداد:- ص: 412 .- دار الحقيقة ،بيروت، الطبعة الأولى 2000.
13. المدخل إلى القانون الدولي العام وقت السلم- محمد عزيز شكري- دار الفكر، القاهرة، 1973.
14. العلاقات الدولية- محمد عمرتي وعبد السلام سفيري- دار النشر الجسور-وجدة- الطبعة الأولى 1999
الابحاث والمقالات
1. قراءة في النظام البرلماني والنظام الرئاسي - م. علوي المشهور- صحيفة 26سبتمبر - رقم العدد: 1356 ]- اكتوبر 2007
2. http://www.madariss.fr/College/index.htm
3. أصوات الحرية: الكتاب الملتزمون في القرن التاسع عشر- ميشيل وينوك. أستاذ التاريخ المعاصر في معهد العلوم السياسية في باريس - عرض هاشم صالح- http://www.alawan.com
4. الجمعية الوطنية الفرنسية (المجلس النيابي)- هايل نصر- الحوار المتمدن-العدد: 1944- 2007 / 6 / 12
5. فيكتور هوجو: أمير الأدب الفرنسي ومنظر الوحدة الأوروبية- فابيولا بدوي- http://www.awrak99.com/
6. الأسباب وراء اختيار سان كلو في فرنسا- فؤاد دعبول- جريدة الانوار الاثنين 16 يوليو 2007.
7. ما أشبه اليوم بالبارحة- أ. د. محمد العبيدي - وكالة الأخبار الإسلامية (نبأ
8. http://www.islamicnews.net/Document/ShowDoc08.asp?DocID=70631&TypeID=8&TabIndex=3
9. فصل في الإنشاء "الديموقراطي" اللبناني.- فيصل جلول- 2007-06-26- اللجنة العربية لحقوق الانسان- http://www.achr.nu/art208.htm
10. إشكالية تنازع السلطة في العراق: رئيس وزراء منتخب بشكل مباشر-- جابر حبيب جابر- موقع مرافئ- http://www.marafea.org/
11. صعود اليمين المتطرف يدق أجراس الخطر في الجمهورية الديمقراطية!- عبدالجليل زيد مرهون - جريدة الرياض- العدد 12403 السنة 38
12. رئيس الدولة والسياسة الخارجية- طبيعة هذه العلاقة في كل من الأنظمة الرئاسية والبرلمانية والمختلطة- محمد بوبوش: باحث في العلاقات الدولية –جامعة محمد الخامس-أكدال- مجلة الفقه والقانون - http://alex4all.com/stor/articl.php?name=sldg55&id=2600
13. من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة-
14. الإصلاح السياسي والدستوري في مصر: حسن نوايا أم دعاية سياسية؟ - أحمد التلاوي- اخوان اونلاين
15. فرنسا وسويسرا: ديمقراطيتان مختلفتان- مارك أندري ميزري- ترجمه كمال الضيف- سويس انفو
16. تقرير صحفي عن الانتخابات التشريعية الفرنسية- بقلم عبداللطيف السليماني- صنعاء ـ وكالة الانباء اليمنية (سبأنت) – 20/1/2007
17. ورقة أولية نحو نظـام رئاسـي ديمقراطي - الجمهورية الرئاسية بين الخبرة المصرية والخبرات العالمية- ورقة مقدمة لندوة مصر والإصلاح السياسي بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية - د, عمرو الشوبكي- مركز الاهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية.
18. إلا القضاء -د. ناجي صادق شراب – موقع امل الامه نت - 9/4/2007
19. لماذا انتصر ستالين -ليون تروتسكي- http://www.marxists.org/arabic/archive/trotsky/index.htm